ريم عيسى
عندما نقول ذاكرة، فإن أول مايتبادر إلى أذهاننا اللحظات الماضية بحلوها ومرها برائحتها وطعمها، نعم طعمها ورائحتها فالذاكرة لديها طعم ورائحة ونكهة لكننا نجهل أهميتها. دعوني أخبركم عن ذاكرتنا التي نحمل وامتداداتها في عمق العاطفة.
ذاكرة المذاق: هي أول ذاكرة تظهر بعد أن يكبر الانسان ويبتعد عن أهله لأي سبب كان السفر أو العمل أو الدراسة أو الزواج والانتقال إلى منزل منفصل.
وكثيرا ما تسبب هذه الذاكرة خلافات زوجيّة في بداية حياة الزوجية، لأن هذه الذاكرة ستقارن مذاق طبخ الزوجة حديثة العهد بالطبخ، مع ذاكرة عميقة لطعم طبخ الأم الذي يحمل جمال الطفولة والشباب، وربما يكون الخلاف ناتجا عن استفزاز هذه الذاكرة بإلحاح الزوجة الفتية بطلب المفاضلة بين طبخها وعمق مذاق طبخ الأم في الذاكرة. والسؤال هنا لماذا تطلبين المقارنة؟ أريحي نفسك عزيزتي فالموضوع لا يمس مهارتك في الطبخ، لكنّ الموضوع هنا فيه عمق نفسيّ يحمل الحب ورائحة الماضي وذكريات فريدة، وأذكرك أنك تشاركينه النقطة فأشهى طعام عندك هو الذي تعده أمك، لذلك اتركي النّديّة، بل ركزي في المساحة المتاحة لك لصناعة ذاكرة أبنائك واتركي بصمة المذاق الخاصة بك ترافقهم في مستقبلهم،سيعشقون مذاقه وذاكرته ، حتى زوجك نفسه في الماضي كان يتأفف من بعض المأكولات التي تطبخها والدته
ذاكرة الحكمة: لكل منا جد أو جدة على الأقل احترف رواية القصص والحكايات لأحفاده؛ فلا أنسى جلوس جدي عند المدفأة يرتدي فروته، وكيف كنت أهرع إليه لأختبئ تحتها. وهو يحملني ويجلسني على رجله، ويحكي لي قصة من قصصه القديمة الجميلة- صحيح أن قصصه لاتحتوي على أميرات و لاأبطال خارقين- لكنها كانت الأجمل وصحيح أنني لم أكن أفهمها في حينها لكن عندما كبرت فهمتها جيدا.
ذاكرة الحنان: في اعتقادي المتواضع أن الحنان لدى الأب أقوى منه لدى الأم؛ لأن حنان الأب ناضج و قوي، فالأرجوحة التي أمضى والدك الليل كله لتجهيزها لك هو حنان عظيم، و اللعبة المكسورة التي أصلحها لك كلها حنان لايمكن نسيانه مهما حصل فإن الأب يغرس ذاكرة الحنان، لدرجة أنك لو نسيت كل شيء ستذكره وتذكر حنانه.
ذاكرة السعادة: نعم للحارة التي لعبت فيها والحقول التي ركضت بينها والأشجار التي تسلقتها، والبنايات التي كنت تلعب في فيئها ذاكرة قوية يعشعش عبقها في روحك تهرب إليها كلما زادت الحياة من ضغوطها عليك، وكلما ابتسمت لك رائحة الذاكرة سريت عن نفسك وابتسمت لماضيك لتقوى على حاضرك ومستقبلك.
اصنعوا ذكريات أطفالكم بحب وحنان، ومذاق وحكمة وسعادة.





