لاجئو ألمانيا… التمييز بين الأوكرانيين وغيرهم بالقانون

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

شادي عاكوم

 

بات أكثر من 700 ألف لاجئ أوكراني مسجلين لدى المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين، بنسبة 98,4 في المائة، فيما البقية من جنسيات أخرى حول العالم بمعظمها أفريقية وآسيوية، وخصوصاً طلاب جامعيين. وهؤلاء من رعايا الدول الثالثة الذين اضطروا إلى الهرب من الغزو الروسي أسوة بالأوكرانيين. واللافت أن ألمانيا لا تساوي بينهم وبين الأوكرانيين.

ونقلت محطة “دويتشلاند فونك” الألمانية الإذاعية الصعوبات التي يعيشها طلاب أفارقة وآسيويون، بينهم من يتحدر من ليبيا وغانا والهند ونيجيريا، هربوا إلى ألمانيا مع اندلاع الحرب التي تشنها روسيا على أوكرانيا. وبات مستقبل هؤلاء على المحك، في ظل غياب الاستقرار والخوف من الإبعاد أو الطرد من ألمانيا. وتشير إلى أن معظم هؤلاء دفعوا كل ما كان في حوزتهم من مال كبدل إيجار أو لتأمين الرسوم الجامعية، ويخشون عدم السماح لهم بمتابعة دراستهم والبقاء في ألمانيا، بعدما كانوا يأملون إنهاء دراستهم في أوكرانيا وإعالة عائلاتهم.

وتقول إحدى المساعدات الاجتماعيات التي تتابع أحوال الطلاب الأفارقة في برلين إن هؤلاء تعرضوا لصدمات نفسية ويحاولون يومياً خلق حياة جديدة في ظل هذه الفوضى. يضاف إلى ما سبق التمييز بينهم وبين اللاجئين الأوكرانيين أصحاب البشرة البيضاء.

في هذا السياق، تقول العاملة في المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين، نورا بيتزغر، لـ “دويتشلاند فونك”، إن معظم الطلاب الأفارقة يعيشون حالة من عدم اليقين، استناداً إلى توجيه الاتحاد الأوروبي الذي اعتُمد منذ أكثر من 20 عاماً، وفُعِّل لأول مرة هذا العام، والذي يمنح اللاجئين الأوكرانيين مزايا لا يستطيع لاجئو الحرب الآخرون المطالبة بها، ويطبق في ألمانيا بموجب المادة الـ 24 من قانون الإقامة، أي الحماية المؤقتة للنازحين من الحرب الذين لا يستطيعون العودة بأمان وبشكل دائم إلى بلدهم الاصلي. بالتالي، تلتزم الدول الأعضاء المعايير الأساسية خلال تعاملها مع الأوكرانيين وتعزيز اندماجهم والانخراط في سوق العمل والحصول على الخدمات الطبية والالتحاق بدورات لتعلم اللغة الألمانية. وهذا التوجيه الذي أُنشئ استجابة للنزاع في يوغوسلافيا السابقة من دون استخدامه، ينص على منح حماية مؤقتة في حالة التدفق الجماعي للنازحين، ويشتمل على تدابير لتوزيعهم بين دول الاتحاد الأوروبي.

وتشير بيتزغر إلى اعتماد الاتحاد الأوروبي مجموعة من المعايير المتعلقة بالتدفق الجماعي للاجئين مع أولئك الذين يحملون جوازات سفر أوكرانية. وتقول إن ما يسمى “رعايا الدول الثالثة” القادمين من أوكرانيا قد يبقون في البلاد بشكل قانوني حتى 31 أغسطس/ آب المقبل. وفي الوقت الحالي، لا يمكن التكهن بما سيحدث بعد ذلك التاريخ. ولا يحصل هؤلاء على دعم مادي أو تصاريح عمل على عكس اللاجئين الأوكرانيين الذين سيحصلون على مساعدات مادية اعتباراً من الأول من يونيو/ حزيران المقبل.

من هنا، يبقى مستقبل الطلاب الأفارقة والآسيويين مجهولاً، لكونهم لا يحصلون على الحماية المؤقتة على غرار اللاجئين القادمين من سورية وأفغانستان والعراق. ويقول المدير المشارك في مركز أبحاث قانون الأجانب واللجوء في جامعة “كونستانس”، البروفيسور دانييل ثيم، إن المعاملة غير المتكافئة ليست عنصرية كما يعتقد البعض، بل ترتبط بالتوجيه الأوروبي بشان التدفق الجماعي الذي يعتمد على أسس مختلفة.

الاكتفاء بتصريح “دولدونغ”
تزداد معاناة اللاجئين الأفغان والسوريين الهاربين من الحرب في بلادهم والذين قدموا إلى ألمانيا منذ فترة طويلة. وحصل الكثير من الطلاب الأفارقة على تصريح الإقامة المتسامحة الدولدونغ (إجراء قانوني من أجل تأجيل الترحيل القسري من بلد ما لأسباب قانونية أو واقعية وفنية) فقط.
في هذا الإطار، توضح وكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ) أن جمعيات عدة قدّمت ورقة اعتراض ضد الحكومة لدى المحكمة في ولاية بادن-فورتمبيرغ بسبب السياسات المتعلقة بالهجرة، ولا سيما أن اللاجئين غير القادمين من أوكرانيا محرومون فرصاً متكافئة تتعلق بحق اللجوء. ويقول أحد الناشطين في مدينة شتوتغارت إنه “في حال استمرار المعاملة غير المتكافئة للاجئين في بلدنا، سيكون السلام الاجتماعي مهدداً بالانهيار، ويجب منع ذلك بأي ثمن”.

في المقابل، ردت وزارة الهجرة في الولاية على الانتقادات، وقالت وزيرة الهجرة في الولاية سيغفريد لوريك إنه “بغضّ النظر عن الوافدين من أوكرانيا، نسجل قدوم عدد كبير من الوافدين من بلدان ثالثة كل يوم. يجب الاعتناء بهؤلاء”.
من جهته، يوضح شون ماكغينلي من مجلس اللاجئين في الولاية أن السلطات تستخدم باستمرار جميع الثغرات القانونية لجعل عمليات الترحيل ممكنة، وتقف مكتوفة اليدين بشأن الحق في البقاء.

إلى ذلك، تتحدث بيتزغر عن اضطرار نحو 250 شخصاً غالبيتهم من السوريين والأفغان إلى إخلاء مساكنهم الجماعية المقدمة لهم من السلطات المحلية من أجل إيواء لاجئين أوكرانيين. ونقل موقع “دويتشلاند فونك” عن أحد الأشخاص المبعدين من مكان سكنه ويدعى صدام ويتحدر من أفغانستان قوله إنهم أبلغوا فجأة بنقلهم لفسح المجال أمام القادمين الجدد من الأوكرانيين. وخلال 24 ساعة، وزعوا على أماكن أخرى في برلين، ما اضطره إلى الانفصال عن أشقائه القصر. ويسعى من خلال العمل مع متطوعين لإعادة لمّ شمله مع عائلته. وتفيد تقارير بأن لاجئين آخرين اضطروا إلى إلغاء مشاركتهم في دورات الاندماج بسبب نقلهم من أماكن سكنهم وتبديل مراكز الرعاية النهارية والمدارس لأطفالهم.

في هذا السياق، توضح مونيكا هيبينغسهاوس من المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين أنه “كان لا بد من إخلاء بعض أماكن السكن خلال مهلة قصيرة لأسباب لوجستية، من بينها قرب مراكز الإيواء من نقاط وصول اللاجئين الأوكرانيين في برلين، وكان المطلوب تقديم مساعدات طارئة لهم، علماً أن مثل هذه التدابير اعتمدت أيضاً في ولايات فيدرالية أخرى”.

تعاطف مع الأوكرانيين
كثيرة هي المواقف التي تعكس تعاطفاً مع اللاجئين الأوكرانيين على اعتبار أن غالبية الواصلين هم من النساء والأطفال، في وقت يدافع أزواجهم بشجاعة عن بلدهم. وهناك قناعة شبه راسخة بأن فرص عودتهم إلى وطنهم قريباً أعلى بكثير من فرص اللاجئين السوريين والأفغان. وإذا ما بقوا في ألمانيا، فإن فرصهم في الاستفادة من سوق العمل أعلى نظراً إلى مستواهم التعليمي العالي وقدراتهم المهنية، فيما مستوى الآخرين التعليمي أقل، وهناك صعوبة في انخراطهم بسوق العمل، وخصوصاً النساء، نظراً للثقافات الاجتماعية المغايرة.

في المقابل، هناك رؤية مختلفة تفيد بأن العديد من السوريين والأفغان من المتعلمين وأصحاب الشهادات العليا لا يمثلون الثقافة الأوروبية، وبالتالي ينتظرون سنوات قبل الاعتراف بمؤهلاتهم. وتفيد أرقام الوزارة الاتحادية للداخلية والإعمار والأمن الوطني بأن 81 في المائة من اللاجئين من أوكرانيا نساء.

وتقول منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “يونسكو” إنه كان هناك أكثر من 70 ألف طالب في أوكرانيا من مختلف البلاد قبل بدء الحرب. وتشير التقديرات إلى وجود نحو 3 آلاف، بعضهم موجود في ألمانيا حالياً، لكنهم يشعرون بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية. ويتجلى ذلك من خلال معاملتهم بشكل مختلف وصل إلى حد التصادم مع الشرطة في المجر أو سلوفاكيا والنمسا وغيرها، إذ تعتقد شرطة الحدود أنهم لاجئون من الشرق الأوسط وأفريقيا يرغبون في الوصول إلى دول وسط وغرب أوروبا.

ويقول أحد الطلاب النيجيريين لموقع “دويتشلاند فونك” إن جمعية “توبمان” الألمانية تعمل على مساعدة أصحاب البشرة السوداء الذين اضطروا إلى الهرب من أوكرانيا، ويتحدث عن معاملتهم بالكثير مع العنصرية. ولدى وصوله مع رفاقه إلى محطة القطارات المركزية في برلين ومطالبته أحد المتطوعين بالمساعدة، أجابه بأنه لا يمكن فعل اي شيء للسود هنا، وباستطاعته فقط تقديم المأكل والمشرب.

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...