محاولة إيجاد “خليج عربي” جديد .. كتاب “أمن الطّاقة في السياسة الخارجيّة الأميركيّة”

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

 

أحمد بسيوني

 

 

يأتي كتاب عمرو عبد العاطي “أمن الطاقة في السياسة الخارجيّة الأميركيّة”، الصّادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ضمن الدراسات التي تحاول فهم السياسة الخارجيّة الأميركيّة وتحرّكاتها في العالم، مركِّزًا في ذلك على مصادر الطاقة، كوْنها تدخل في التكوين البنيوي للمجتمعات الصناعيّة الكبرى محرّكا للحياة الاقتصاديّة ومكانتها السياسيّة، وأيضًا في المكانة الجيوسياسيّة لدّول العالم. وبالرّغم من أنّ الولايات المتّحدة الأميركيّة هي دولة القرن الواحد والعشرين، بصفتها دولة عظيمة مُهيمِنة على النظام العالمي، إلّا أنّ هذا لم يمنع تنامي المعاناة والخوف في ما يتعلّق بمصادر الطّاقة مقارنةً بروسيا؛ لأنّها تعاني من نقصٍ في مصادر الطاّقة، وهذا جعلها تعتمد بشكلٍ كبير على الخارج، من أجلِ الإيفاء بمتطلبات الاستهلاك المحلّي، ونتيجةً لذلك، ربطت الولايات المتّحدة أمن الطّاقة بأمنِها القوميّ منذ عام 1973. ومنذ ذلك الوقت، ترى الولايات المتّحدة، أنّ أيَّ تهديدٍ يمِسُّ مصادر الطّاقة هو تهديد للأمن القومي الأميركي، رغبةً منها في إشباع حاجتها من مصادر الطّاقة بمشتّقاتها المختلفة.

إطار نظري
ينطلق الكاتب عبد العاطي بحفر جينولوجي لمفهوم أمن الطّاقة، والذي كان معروفًا إبّان الحرب العالمية الثانية بأمن الدّولة القوميّة، بحسب المدرسة الواقعيّة، التي كانت ركيزة أساسيّة لتفسير الحروب ومعوّقات الأمن الدّولي، حيث كان مفهوم الأمن محصورًا في بقاء الدّولة وحمايتها في ظلّ نظامٍ دولي فوضوي تحميه الصّراعات، إلّا أنّ وزير الدفاع الأميركي الأسبق، روبرت مكنمارا، كان لهُ رأي آخر في مفهوم الأمن في كتابه “جوهر الأمن” ، ليتجاوز الأبعاد العسكريّة، يطاول بناء الدّولة، معتبرًا أنّ التنمية الاجتماعيّة والاقتصاديّة لها دور بارز في حمايّة الدّولة، بعيدًا عن الجانب العسكري (ص 32 – 36).
إن سيرورة تطوّر مفهوم الأمن متعلِّقة بفشل تقديم تفسيرات لها وفق المدرسة الواقعية وحدها، وبتبنّي المدرسة الليبراليّة لمفهوم الأمن، ليظهر لنا مفهوم “الأمن الجماعي”، ولكن سرعان ما تعقّد مفهوم الأمن بسبب دخوله في نفق التحوّلات الجذريّة، وعولمة القضايا، وتعدّد التحليلات، ليشتبك مع البُعد العسكري رفقة التنمية الاجتماعية والاقتصاديّة، حتّى الأفراد داخل الدّولة. وبحسب باري بوزان، توجد خمسة أبعاد لمفهوم الأمن: سياسي، عسكري، اقتصادي، اجتماعي، وبيئي. وأضافت الأمم المتّحدة عام 1994 ثلاثة أخرى إلى جانب بوزان، الأمن الشخصي، الغذائي، والصّحي، مستثنيةً الأمن العسكري (ص 37- 41)، إلّا أنّ التحوّل الذي طرأ بعد عام 2000، من أحداث أيلول 2001، وغزو العراق 2003، عاد بأنصار المدرسة الواقعيّة ليركّزوا على مفهوم الأمن ببعده العسكري لمفهمة سيرورة النظام العالمي، وربطه بتوجّه الإدارة الأميركيّة صوب استخدام القوّة الصّلبة لحلِّ إشكالات كهذا (ص 41 -43).

تحاول الولايات المتّحدة مقابلة استهلاك الطاقة بقدرة أكبر على توفير مصادر داخليّة وخارجيّة

يعزو عبد العاطي حاجة العالم لتحديد مفهوم “أمن الطّاقة” إلى دخول منطقة الشرق الأوسط موجة من الاضطرابات، أهمّها حظر النفط عام 1973، والثورة الإسلاميّة في إيران عام 1979، والتهديدات باستهداف المنشآت النفطيّة في منطقة الخليج العربي، إلّا أنّ الإشكالية التي حالت بين الوسط الأكاديمي وتحديد التعريفات، هي التشابكات والتعقيدات التي أحاطت بأمن الطّاقة، كالقضايا البيئيّة والسياسيّة وغيرها، بالإضافة إلى تعدّد مواقع الدّول في سوق الطّاقة، سواء كدولة مُنتِجة أو مستهلِكة. وعلى هذا الأساس، ارتبط مفهوم أمن الطّاقة بالأمن القومي للبلدان (ص 45 -48). وسرد الباحث عدّة تعريفاتٍ لأمن الطّاقة، منها تركيز تعريف الاتّحاد الأوروبي على إدارة الطلب وتقليل الاستهلاك والتنويع في مصادر الطّاقة، من أجل تقليل التبعيّة وتحقيق الاكتفاء الذاتي، بالإضافة إلى التحكّم بالعروض الخارجيّة والدخول في شراكات دوليّة، وتجنّب الأزمات في سوق الطّاقة عن طريق تحقيق “أمن العرض”، أي ضمان إنتاج الدول الطاقة وتوفيرها بتكلفة معقولة (ص 53 – 55). في المقابل، يركِّز المفهوم الأميركي والصّيني لأمن الطاقة على تأمين المسار الدّاخلي من الطّاقة، ورفع المخزون الاحتياطي الاستراتيجي، وتنتهج الولايات المتّحدة بعدًا نحو خفض الواردات النفطيّة والاعتماد على البدائل المحليّة (ص 54).

هل يمكن وقوع الولايات المتّحدة في فخّ “الابتزاز السياسي”؟ يتناول الكاتب مدى تأثير حظر النّفط العربي عام 1973، على السياسات الدّاخلية والخارجيّة للولايات المتّحدة، باعتبارها المستهلك الأكبر للطّاقة، وتحوّل أمن الطّاقة إلى أمن قومي بالنسبة لأميركا، باعتبارها المستهلك الأكبر للنفط في العالم. وينطلق عبد العاطي في سرد المحدّدات الخارجيّة، من استهلاك عالمي للطّاقة يقابله نقص عالمي في الإنتاج، خصوصا بعد الركود الاقتصادي عام 2008، الذي زاد من أسعار النفط عالميًا، ما حفّز الإدارة الأميركيّة على البحث عن مصادر طاقة بديلة (ص 69 – 76). بالإضافة إلى تهديدات مصادر الطّاقة وإمداداتها التي استهدفت أنابيب النفط والغاز، والتي أثّرت على الولايات الأميركيّة كما تأثير حظر النفط العربي، وأيضًا عدم الاستقرار في منطقة الخليج العربي. وبالتّالي، تحاول الإدارة الأميركيّة حفظ الاستقرار في الشرق الأوسط إلى حين إيجاد بديل مناسب. وعلى ذلك، شنّ الحروب في المنطقة بحجة الإرهاب، كان من أجل حماية مصالحها في الخليج العربي (79-81).

وعلى صعيد المحددات الداخليّة، فقد اقتصرت على الاستهلاك الأميركي للطّاقة وزيادة الاستهلاك، وبالتّالي تحاول الولايات المتّحدة مقابلة هذا الاستهلاك بقدرة أكبر على توفير مصادر طاقة، داخليّة وخارجيّة، ومن ثمّ دور اللوبي النفطي الأميركي في التدخّل في صياغة السياسة الخارجيّة الأميركيّة، كما كان ذلك واضحًا فترة ولاية بوش الابن، حيث ينفق اللوبي النفطي الأميركي المليارات من الأموال من أجل الحفاظ على مصالحه في ما يخص أمن الطّاقة (ص 82 – 85). وتراجعت قدرة اللوبي النفطي الداعم لتحرّكات الولايات المتّحدة خارجيًا، وقُلّل الاعتماد على النفط الخارجي في فترة رئاسة أوباما بعد عام 2008. وكما أوضح الكاتب في بداية فصول هذا الكتاب، الارتباط الوثيق بين أمن الطاقة والأمن القومي الأميركي، بدءًا من رئاسة روزفلت في الأعوام الأخيرة من الحرب العالميّة الثانيّة وحماية الواردات النفطيّة من الخليج باعتبارها مكونًا حيويًا للاستراتيجيّة الأميركيّة، كانت لأزمة النفط العربي عام 1973 أهميّة في معرفة أماكن ضعف الدول وقوّتها. وبالتّالي، كانت نتيجة هذا الحظر تقليل الاعتماد على النفط المستورد، والبحث عن مصادر محليّة (ص 88-90).

اتّجهت الولايات المتّحدة إلى القارّة الأفريقيّة باعتبارها بديلًا لنفط الخليج، بسبب التوتّرات السياسيّة في منطقة الشرق الأوسط عمومًا

امتدادًا لما سبق، يوضّح عبد العاطي محددات مفهوم أمن الطّاقة بالنّسبة للولايات المتّحدة، حيث تعتمد على محدد داخلي متمثِّل في بناء مخزون استراتيجي من النّفط؛ بهدف تأمين الإمدادات النفطيّة حال انقطاعها، والاستثمار في الطّاقة النظيفة، لتقليل الاعتماد على نفط الشرق الأوسط، بالإضافة إلى التنقيب عن النفط محليًا (ص 91-96). أمّا المحدِّد الخارجي في بناء المفهوم، فيرتكز على تنويع مصادر الطّاقة وإمداداتها، وتقليل الاعتماد على نفط الخارج، في محاولة منها للحيلولة دون جعلها رهنية ابتزاز سياسي وسوق أجنبي (ص 98 – 100).

السياسة الخارجيّة تجاه بحر قزوين
يناقش عبد العاطي في الفصل الأخير من كتابه أنّ الولايات المتّحدة اتّجهت إلى القارّة الأفريقيّة باعتبارها بديلًا لنفط الخليج، بسبب التوتّرات السياسيّة في منطقة الشرق الأوسط عمومًا. هذه التحوّلات الاستراتيجيّة والاقتصاديّة في السياسة الأميركيّة، دفعتها إلى الاهتمام بالقارّة مع الإبقاء على مصالحها في الخليج العربي (ص 127). قوبل هذا الاهتمام بعنفٍ في القارّة الأفريقيّة، وذلك لأنّ محطّات الطّاقة والنفط في القارّة السمراء مستقرّة في منطقة نزاع محلي، حيث يوضِّح عبد العاطي أنّ الدول الغنيّة بالطّاقة تعاني من أزمات على الصعيد الداخلي، من وجود معارضة وجماعات مسلّحة، وتشكّل هذه الجماعات خطرًا على أمن الامدادات التي تبحث عنها الولايات المتّحدة (ص 132).

وبالرّغم من محاولات الولايات المتّحدة البحث عن بديل لنفط الخليج العربي، إلّا أنّها ما زالت منهمكة في البحث عن توفير إمدادات آمنة، وبيئة مناسبة للاستثمار والاستخراج، من دون تهديد بنى الدولة الداخليّة، ومن دون حتّى مخاوف من دولٍ كبرى كالصّين، التي أيضًا تنافسها في القارّة الأفريقيّة. لذلك شكّلت منطقة بحر قزوين المنطقة الأهم في السياسة الخارجيّة الأميركيّة كبديلة للخليج العربي، كوْنها تحتوي ثروات غير مستغلّة بعد (ص 141)، ويتبنّى الكاتب عبد العاطي تسمية “شرق أوسط آخر” أو “سعوديّة جديدة” لدولتي كازاخستان وأذربيجان. وذلك يرجِع إلى احتياطي النفط والغاز الذي يحتويه بحر قزوين (ص 143). وبالتّالي، المصالح الأميركيّة في بحر قزوين مهمّة، إلّا أنّ هنالك دولاً “منافِسة” لأميركا تطُلّ على البحر، كروسيا وإيران، وهما المسؤولتان عن استغلال موارد الطّاقة في المنطقة وحمايتها، وهنالك أيضًا دول المرور التي تعبر منها خطوط أنابيب نقل الغاز، حيث تشمل كلًا من: روسيا، إيران، الصين وتركيا، وهذه الدّول من منافسي الولايات المتّحدة في العالم، اقتصاديًا وسياسيًا، حيث تنظر روسيا والصين إلى منطقة بحر قزوين باعتبارها ذات أهميّة اقتصاديّة وسياسيّة واستراتيجيّة (ص 149-150).

لن تستطيع الولايات المتّحدة، خلال سنوات قليلة، أن تصنع من الدول الأفريقيّة بيئة ملائمة تسمح بتأمين موارد الطّاقة وتسهيل عبورها ونقلها

ويذكر الكاتب أنّه على الرغم من الأهمية الاستراتيجيّة لبحر قزوين، هنالك مصالح تنافسيّة بين روسيا وإيران والصّين وتركيا، وبالتّالي، لن تكون منطقة سهلة بالنسبة للولايات المتّحدة، ناهيك عن المعوِّقات والإشكالات التي تقف حائلًا بين الدول واستغلالها مصادر طاقة في المنطقة، منها مشكلات قانونيّة وسياسية تتعلّق بسواحل البحر وقربها من حدود بعض الدول، ما يعطيها أحقيّة سياسيّة وقانونيّة على حقول الغاز والنفط في منطقة البحر. وبالتّالي، هنالك مخاوف من تحوّل الصراع من اقتصادي إلى عسكري بين الدّول المجاورة لمنطقة بحر قزوين (ص 160 – 161).

خاتمة
مما سبّق، نستنتج أنّ الولايات المتّحدة تخاف من الابتزاز السياسيّ، وفقًا للمعطيات الخاصّة بالنّفط والغاز، ومعظم الحروب التي خاضتها، أو موّلتها، كانت من أجل حماية مصالحها في الخليج، سواء بعد حرب الخليج الثانية، وصولًا إلى دعم أوكرانيا في حربها مع روسيا، من أجل أن توقِف إمدادات الغاز الروسيّة لأوروبا، وأن يكون البديل أميركيًّا، وفي الوقت نفسه، إضعاف جبهة روسيا في منطقة بحر قزوين، إلّا أنّ منطقة بحر قزوين ستبقى ضبابيّة، لتغلغل نفوذ الدّول الكبرى فيها، في محاولةٍ لتعويض احتياجاتها الداخلية من احتياطي النفط والغاز الطبيعي، وحديث عمرو عبد العاطي عن إمكانيّة استبدال طاقة الخليج العربي يبدو بعيدًا، فبالرغم من وجود القارّة الأفريقيّة ومصادر الطّاقة المتنوّعة فيها، إلّا أنّ الولايات المتّحدة لن تستطيع، خلال سنوات قليلة، أن تصنع من الدول الأفريقيّة بيئة ملائمة تسمح بتأمين موارد الطّاقة وتسهيل عبورها ونقلها، ذلك لأنّ المنطقة تعيش صراعاتٍ مستمرّة وغير متناهيّة، بالإضافة إلى منطقة بحر قزوين الاستراتيجيّة، التي تعاني من مشكلاتٍ سياسيّة هائلة، وعدم استقرار الوضع القانوني للدول الخمس على حدود البحر. هذا يسبب أزمة حقيقيّة للإدارة الأميركيّة في كيفية التعامل في مثل هذه الظروف، لذلك تبقى منطقة الخليج العربي الأفضل على المدى البعيد، ناهيك عن احتوائها على مصادر هائلة، بالإضافة إلى تأمينها مصادر الطّاقة، وسهولة التوريد، سيصعب إيجاد بيئة “خليج عربي جديد” في القارّة الأفريقيّة ومنطقة بحر قزوين.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...