*الدكتور عبدالله شنفار
قراءة ووقفة متأنية في رسائل وخطابات الملوك العظام؛ الموجهة للداخل قبل الخارج.
لتحليل هذا الموضوع ننطلق من بعض الأسئلة المنهجية؛ ونقول: كيف تفكر العقول الكبير؟ كيف يخطط الكبار؟ وكيف تفكر العقول الصغيرة التي تغرق في التفكير الإجرائي؟ ماذا يُقصد بالتفكير الاستراتيجي؟ وماذا يُقصد بالتخطيط الاستراتيجي؟
التفكير الاستراتيجي ليس تكنيكاً أو رؤية أو مخططات؛ مفهوم التفكير الاستراتيجي؛ يعني استشعار مخاطر وتهديدات المستقبل من خلال التوقُّع في الحاضر؛ من أجل تحديد مكان ودرجة التَّموْقع الأفضل والوضعية الأحسن في المستقبل؛ وهو الأمر الذي تتولاه المؤسسة الملكية.
أمَّا التخطيط الاستراتيجي؛ فهو تكتيك ويحيل إلى عملية تقنية تتضمن خطط وبرامج عمل وبدائل مختلفة؛ تتم بلورتها وقابلة للتنفيذ في الحاضر والمستقبل؛ فهو الإطار العام الذي تتم فيه عملية التنزيل والتصريف والتخطيط الاستراتيجي؛ لما هو مفكر فيه في عمليات التفكير الاستراتيجي؛ وهو الأمر الذي تتولاه الحكومة؛ في إطار السياسات العامة والعمومية والقطاعية؛ وهي أنظمة وأنساق منسجمة ومتكاملة؛ فيه عدة عناصر متداخلة؛ فيه نظام مدخلات ونظام عمليات ونظام مخرجات؛ ونظام تحكم؛ وتتولد عنه ردود فعل داخلية وخارجية؛ وتليه تغذية راجعة.
ومن أدوات التخطيط الاستراتيجي: وضع جداول ومنحنيات وأرقام وعمليات حسابية وهندسية؛ يستهدف بلوغ هدف معين في جدلية اعتماد متبادل بين الفكر والواقع.
تتولد عنه ردود فعل تتراوح بينن: المؤيدة والمعارضة والغير مبالية.
وبالتالي فإن ردود الفعل هذه؛ لا تكون على المستوى الأول الذي هو المؤسسة الملكية كضابط للنسق. معناه أن العيب والخلل يبقى على مستوى التنزيل من طرف الحكومة.
فأحيانًا نجد وثائق تتعلق ببعض الدراسات حول مشروع ما؛ تتضمن منحنيات وجداول وأرقام وعناوين؛ وبألوان مختلفة زاهية ورائعة جدًا؛ لكن عند محاولة تنزيلها وتشكلها على أرض الواقع؛ يظهر الخلل؛ وتظهر العيوب بالجملة؛ بل أحيانًا حتى انعدام الجدوى منها! حيث تعتبر الاحتمالات اليقينية؛ من مساوئ التفكير التي تغرق في كل ما هو إجرائي؛ في ظل غياب التفكير الاستراتيجي التوقعي؛ حيث يتم اللجوء إلى الاستدلال بعبارة: (لم نَكُنْ نتوقَّع..!)
حينما تكون الأحداث والوقائع واضحة وضوح الشمس في النهار؛ فما الذي لم تَكُنْ تتوقَّعه!؟
وحيث أن الحكومات هي عملية ائتلاف بين عدة أحزاب؛ غالبًا تكون مسكونة بجنون العظمة وتضخم في الأنا والمصلحة الحزبية؛ حيث مشكلة البعض تكمن في كونه يعتقد هو الوحيد الذي يمتلك الطبعة الأصلية للحقيقة؛ في حين الآخرون لديهم النسخة المزيفة أو المغلوطة فقط! وحتى إذا ما توفرت لديهم نسخة أصلية؛ سوف يسيئون استخدامها.
في توقعات ملك عظيم.. إنه ملك المغرب؛ وقبل وصول العالم لهذه الأزمة في المواد والسلع والبضائع والمنتجات؛ جلالة الملك محمد السادس؛ بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية الحادية عشرة؛ سنة 2021؛ تطرق إلى ما يلي؛ حيث قال جلالته: “وقد أبانت الأزمة الوبائية عن عودة قضايا السيادة للواجهة والتسابق من أجل تحصينها في مختلف أبعادها الصحية والطاقية والصناعية والغذائية وغيرها؛ مع ما يواكب ذلك من تعصب من طرف البعض.
(…)
لذا نشدد على ضرورة إحداث منظومة وطنية متكاملة، تتعلق بالمخزون الاستراتيجي للمواد الأساسية، لاسيما الغذائية والصحية والطاقية، والعمل على التحيين المستمر للحاجيات الوطنية، بما يعزز الأمن الاستراتيجي للبلاد.”
نتهى كلام جلالة الملك.
وفي استحضار قوله تبارك تعالى: {قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا؛ فَمَا حَصَدتُّمْ؛ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ.} صدق الله رب العالمين.
وهذا ما نعيشه الآن؛ وفي ظل ارتفاع الأسعار التي نعيش لهيبها الآن؛ وفي ظل ندرة وشح المواد والسلع والمنتجات؛ والقادم كان الله بالسر عليمًا.
في توقعات الفكر الاستراتيجي المستقبلي؛ قال الدكتور الدكتور مصطفى محمود في سنة 2009:
“لو انتشر ڤيروس قاتل في العالم؛ وأغلقت الدول حدودها؛ وانعزلت خوفًا من الموت المتنقل؛ ستنقسم الأمم بالغالب إلى فئتين:
1)- فئة تمتلك أدوات العِلم والمعرفة؛ تعمل ليلًا ونهارًا لاكتشاف العلاج.
2)- وفئة أخرى تنتظر مصيرها المحتوم..!
وقتها ستفهم الشعوب والأمم والمجتمعات؛ أن العِلم ليس أداه للترفيه؛ بل وسيلة للنجاة.
فسبحان الله؛ {الَّذِي أَطْعَمَهُم مِن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِنْ خَوْفٍ.} صدق الله رب العالمين.
_____
*مفكر وراصد سياسي واقتصادي واجتماعي مغربي.





