عبد المولى المروري
لقد استفحلت المظاهر التي تزعزع استقرار الوطن بشكل فظيع ومخيف، ابتداء من جرائم الشوارع من سرقة واغتصاب وهتك للأعراض، ومرورا بشغب الملاعب وتخريب الممتلكات وترويع السكان، وانتهاء بالغش في الامتحانات في كل الأسلاك والمستويات والتخصصات التعليمية، وكل ما استطاعت الدولة القيام به أمام هذه المظاهر الخطيرة هو التجريم وتشديد العقوبة وملء السجون بالقاصرين والشباب والتلاميذ والطلبة، دون النظر في حقيقة وأسباب هذه المظاهر، والبحث لها عن حلول حقيقية وجذرية وفعالة تقي أبناءنا الوقوع في هذه المشاكل، وتقي مجتمعنا من هذه الآفات الخطيرة..
الدولة لا تملك لا الجرأة ولا الشجاعة ولا المسؤولية كي تساءل نفسها عن الأسباب التي أفرزت كل هذه الانحرافات التي أصبحت تقض مضجع المجتمع والأسر، وتخلف مآسي اجتماعية وإنسانية تبدأ بانحراف الشباب وتنتهي بدمار الأسرة وتخريب المجتمع..
الدولة مسؤولة مسؤولية كاملة عن كل هذه الآفات الاجتماعية والمآسي الإنسانية التي أصبحت السمة الأبرز التي تطبع هذا المجتمع الغارق في البؤس والتخلف .. الدولة مسؤولة عن كل هذه المنزلقات والانحرافات من خلال مشاريعها وبرامجها وقراراتها التعليمية والإعلامية والثقافية والفنية ..
أليست الدولة هي من كانت السبب في انهيار التعليم من خلال التوقف عن بناء المدارس الأمر الذي أدى إلى اكتظاظ الأقسام، وفشل الأستاذ في تدبير عدد التلاميذ والزمن المدرسي؟ أليست الدولة من ضيقت العيش على المدرس، فالتجأ هذا الأخير إلى التماس الرزق من خلال الدروس الخصوصية حتى يحقق التعادل مع قهر الزمن وغلاء المعيشة؟ أليست الدولة من أدمج معطلين في قطاع التدريس دون تكوين علمي وتربوي كاف للاضطلاع بهذه المهمة الخطيرة والمقدسة؟ أليست الدولة مع ميعت المقررات الدراسية حتى أصبح أبناؤنا يقرؤون من الكلام أتفهه مثل (ذهبت إلى الحمام كي تسخن عظيماتها)، وأصبح التدريس بدون جودة لغوية أو قيم أخلاقية أو أفكار تنويرية؟ أليست الدولة من سهلت عملية الغش بسبب انهيار المنظومة التعليمية على المستوى الأخلاقي والتربوي على وجه الخصوص، فلم يعد التدريس يدمج عناصر التحفيز والتنافسية والاعتماد على الذات وبذل الجهد والحرص على القدرات الشخصية، ولم يعد التدريس يركز على هذه القيم والأخلاق خلال السنة الدراسية، بل أصبح هم جل الأساتذة هو إتمام المقرر والاستفادة المادية من الساعات الخصوصية، وهم التلميذ هو النقطة وبأي ثمن وبأي طريقة، وهم الأبوين هم نجاح ابنهما ولو عن طريق الغش .. الدولة هي من صنعت هذا المسار وتسببت في وجوده، ورعت استمراره إلى اليوم، فإذا كان هذا الواقع يؤرقها فعلا وتريد علاجه عن حق وحقيقة، فإن المقاربة التي تعتمدها، والتي اختزلتها في تجريم الغش وترتيب العقوبة السجنية على ذلك، وملء السجون لن يزيد الوضع إلا تعقيدا وتأزما، فذلك الشاب التلميذ الذي دخل السجن بسبب “جريمة الغش” سيخرج من السجن مجرما محترفا ليقترف جرائم أخطر وأخطر، وملء السجون بهؤلاء الصبية لن يكون إلا في مصلحة تجار المواد الغذائية التي تمون سجون البلاد، والخاسر الأكبر بعد الشباب والأسر – طبعا – هي البلاد ..
قس على ذلك ما أصبح يسمى اليوم بشغب الملاعب، فجل ضحايا هذه الظاهرة هم شباب في زهرة العمر وربيع الشباب، هؤلاء الشباب الذين حرموا من تعليم جيد، وتربية صالحة، وإعلام متنور وفن راق. فأينما حلوا وارتحلوا يجدون كل أسباب الانحراف تستقبلهم وتطوقهم وتحتضنهم، فالأقسام مكتظة، والمقررات مكدسة، والمدرسون منهكون ومنشغلون بلقمة العيش، وفرص الشغل منعدمة، وأسباب الحياة الكريمة مفقودة، والإعلام تافه ومضلل، والفن منحرف وماجن، والمجتمع المدني تراجع بسبب المضايقات، والمثقف اختفى، ودور الشباب مغلقة، وتجارة السجائر والخمور في المتناول، فكيف سيكون مصير ومستقبل الشباب في ظل بيئة مثل هذه؟
الغريب في الأمر أن التعامل الأمني مع ظاهرة شغب الملاعب يفتقد للمقاربة التربوية هو أيضا، فتقوم الأجهزة الأمنية بوضع كل من وصلت إليهم في سلة واحدة، لا يتم التفريق بين صاحب السوابق والشاب أو الطفل الذي تورط في شغب غير مسؤول عنه، ولا تفرق بين تلميذ ساقه حظه العاثر والصدفة السيئة إلى أماكن الشغب، وبين من كان في الملعب حينئذ وتسبب في هذا الشغب، فتجمع الأجهزة الأمنية كل من وجدته في طريقها وتقودهم إلى مخفر الشرطة، وأسهل ما تقوم به هذه الأجهزة هي توجيه الاتهامات وبالعشرات، وأصعب ما يكون هو أن يؤكد التلميذ والشاب ذو الحظ السيئ في الزمن السيئ والمكان السيئ براءته من هذه الجريمة.. لتبدأ فصول صعبة من الأحزان والمآسي الإنسانية والأسرية، بسبب أمر بسيط ، هو عدم التدقيق والتأكد قبل الاعتقال وتوجيه الاتهام .. أليست هذه مسؤولية الدولة؟ أليست الدولة من أنتج فنا ماجنا يغذي الانحراف والانحلال، وإعلامًا تافها يركز على ثقافة الفضائح بدل بناء العقول ورفع مستوى الوعي والنضج؟ أليست الدولة من ضيقت على جمعيات المجتمع المدني الجادة التي كانت لها إسهامات كبيرة ذات يوم في تأطير الشباب وإدماجهم في أنشطة ثقافية واجتماعية وترفيهية بناءة ومفيدة؟
الدولة أنتجت منظومة تعليمية رديئة تربويا وعلميا وثقافيا، وأنتجت لنا منظومة قانونية عنيفة وغير واقعية وتفتقد للمقاربة التربوية والإصلاحية، وأنتجت لنا منظومة إعلامية مضللة وتافهة وتدجينية، وأنتجت لنا فنا بلا ذوق أو قيم أخلاقية وإنسانية، فنَّا يركز على النصف الأسفل من الجسد والجانب الجنسي من الفكر، والجانب التافه من القضايا..
فهل أمام هذا المنتوج المتنوع والمغرق في الرداءة والفساد والإفساد يمكن أن ننتظر جيلا مستقيما وصالحا؟ إن الدولة الآن تحصد ما زرعت، فهل هي على وعي بذلك؟ وهل فعلا يزعجها ذلك؟ إذا كانت الدولة راغبة وجادة في إصلاح الشباب وبناء المجتمع فعليها أن تعيد بناء كل منظوماتها على قواعد سليمة، وعليها أن تتخلص من مقاربتها الأمنية وتعوضها بمقاربات تربوية وإصلاحية حقيقية.. وما دون ذلك فإنه العبث الذي يؤدي إلى البلاد والعباد نحو النفق المظلم ..





