الجَمال والتجمّل

italiatelegraph.com

*بقلم الدكتور : ربيع العايدي
بعيدا عن معارك السياسة والاقتصاد، نتحدث عن ما يسرّ الانسان ويريح نفسه وتشترك فيه الانسانية جمعاء ، إن الجمال المادي والمعنوي امر مطلوب لذا جاءت الشريعة لتأمر المسلم بالتجمل ابتداء من الطهارة الى اللباس الى الشكل الخارجي من تمشيط شعره وتهذيب لحيته وقبل هذا كله لا بد للإنسان ان يتمثل الجمال الروحي من طهارة النفس من الحقد والحسد . 
لقد راعى الاسلام هذه الفطرة في الميل لكل ما هو جميل ، فحدثنا عن الجنة وان فيها كل ما هو جميل ، قال تعالى ( وإن الدار الآخرة لهي الحيوان) اي الحياة الكاملة التي حوت كل معاني السعادة والجمال من الملائكة الى الأنهار والاشجار والكلام الجميل  قال تعالى ( سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين ) وأصحاب الجنة كلهم عندهم من الجمال الظاهري والجمال الباطني ما يؤنس الانسان وينسيه مشاقّ الحياة الدنيا، وما يتناسب مع جمال الجنة ، حتى عند الوفاة أوجبت الشريعة تغسيل الميت . 
كما توصف المادة بالجمال كذا توصف المعاني فنقول صبر جميل كما قال تعالى ( فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ) وفعل جميل . 
وهذا سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام يصفه البراء بن عازب فيقول ( ما رأيت أجمل من رسول الله مترجّلا في حلة حمراء) 
وقد اجاد وأحسن الصوفية في حديثهم وذوقهم الراقي وأشعارهم الصادقة في الحديث عن الجمال المحمدي 
وقد حدّثنا القرآن عن جمال سيدنا يوسف عليه  السلام . 
وفِي هذا المقال المختصر لا يمكننا ان نتناول جميع مظاهر الجمال والتجمل ، ولكن نتحدث في بعض العناوين العريضة لهذا المفهوم الفلسفي الكبير : 
*المرأة وجمالها :* 
إن أنوثة وجمال المرأة وتجمل المرأة أمر غريزي وهو محل اهتمام المرأة بل لقد اهتمت الشريعة بأن تتجمَّل المرأة لزوجها وان تهتم بشكلها وأناقتها حتى خارج بيتها لكن مع الحفاظ على الستر . 
لكن المشكلة اليوم أن أنوثة المرأة صارت  سلعة وموردا للاتجار بها وذلك على أيدي شركات عملاقة تتخذها لتحقيق مكاسب مادية، ومنها يكون نشر الرذيلة في المجتمعات ، إن رضى المرأة ان تكون سلعة للاتجار هو اكبر إساءة للمرأة في المجتمعات ، لذلك على المرأة ان تعرف نشر ثقافة اهتمام  المرأة بنفسها وأناقتها وجمالها امر مطلوب في الشريعة والعرف والعادة ولكن في إطارها الصحيح . 
على المرأة اليوم ان تفكر بالارتقاء بروحها وعقلها في التربية الصالحة والمشاركة الفاعلة في هموم المجتمعات ، وان لا تترك فرصة لتجار البشر للاستيلاء عليهاو تهميش عقلها واستغلال عاطفتها . 
[ وكنت قد أجبتُ على استفسار وصلني حول استخدام المرأة المكياج خارج بيتها، يرجع اليه من يريد التفصيل] . 
*الرجل وجماله *: 
قد يظن بَعضُنَا بأن الدين يُهمل الجانب المادي في الجمال والتجمل ، وأن الجمال في الدين يقتصر على الجانب الروحي فقط ، وهو غلط ، اذ الاسلام صحيح انه يهتم بتنقية وترقية الجانب الروحي لكنه يهتم بالجانب المادي ، قال تعالى ( إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ) لقد جمعت الآية بين طهارة الباطن بالتوبة وطهارة الظاهر . 
فعلى الرجل أن يهتم بمظهره وأناقته ، لذا جاءت الروايات والنصوص تحث المسلم على حُسن ملبسه وترتيب وتهذيب لحيته وشعره ، حتى في العبادة . 
بعض الرجال يظن ان التجمل للمرأة فقط، وأن الرجل تكفيه رجولته عن كل شيء. 
لذا نجد بعض المتزوجين يشكون من زوجاتهم بأنها غير نظيفة ولا مرتبة ولا تُحسّن استقباله،.. 
حتى نكون منصفيين قد يكون هذا الكلام الذي تستمع اليه المحاكم الشرعيه على الدوام يحمل جانب كبيرا من الصدق تُلام عليه المرأة ويجب ان تنبه الى غلطها بلا شك ، لكن لا ننسى أن بعض الرجال يبالغ فيه ليتخذ منه تبريرا لممارسة الظلم عليها . 
في ظل كل هذا يتناسى الرجل صورته التي تخجل المرأة في كثير من الأحيان قولها : من رائحة كريهة لجسده، أو رائحة السجائر في فمه من أسابيع لم تنظف، ناهيك عن سهراته التي تظل الى منتصف الليل وعلى المرأة ان تنتظره بكامل أناقتها!! الجواب الذي يطوف في عقله وثقافته : يكفي أنه رجل ! ناهيك عن الصفات الأخرى المبغوضة كالبخل والبطالة …. 
إن الرجل مطلوب منه الأناقة والترتيب وجمال المظهر كما هو مطلوب من المرأة . 
*جمالية البيئة *: 
الكون من فرشه الى عرشه يحتفي بالجمال الخلقي ، يستمتع الإنسان وهو ينظر الى جمال البحار ، والأنهار ، والاشجار، والكواكب، إن الإنسان السوي تفرح نفسه بالجمال المحيط به ، فالإنسان بفطرته ينجذب نحو كل ما جميل وأنيق . 
إن نظافة المحيط الذي يعيش فيه الانسان لأكبر دليل على وعي الانسان وذوقه واهتمامه واحترامه لنفسه أولا ولمجتمعه ثانيا . 
ولا يجوز قصر ذلك على أماكن العبادة فحسب بل إن جمالية البيئة مطلوبة في كل شيء، لذا كان التوجيه القرآني في المحافظة على البيئة قال تعالى ( ولا تفسدوا في الارض بعد إصلاحها ) والتوجيه النبوي أيضا بالحث على إماطة الاذى عن الطريق . 
هناك ممارسات سلبية في التعامل مع المرافق العامة من تخريب وتكسير ، وبعضنا يحاول التبرير لمثل هذه التصرفات وهي غير مقبولة اذ لا يمكن أن تبرير اهدار المال العام بأي شكل من الأشكال . 
*متخصص بالفلسفة والعقيدة الاسلامية 

شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...