رئيس المجلس العلمي لاقليم فكيك يخنشل تاريخ قبيلة مغربية عريقة !! (2)

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

بقلم .. عمر الطيبي

 

 

 

(أتطرق في هذا الجزء الثاني من المقال لبعض خصوصيات ثقافة بني كيل كثقافة عربية بدوية أغفلها المؤلف وراح يلتمس تاريخ هذه القبيلة عند أحد صناع الظهير البربري)

ان فاقد الشيء لا يعطيه، كما قيل، ورئيس المجلس العلمي لاقليم فكيك لا يملك لا العدة ولا العتاد الفكري والمنهجي، ولا البروفايل العلمي المناسب للافادة من المتن الكلونيالي، ولا حتى من مناهج الهستوغرافيا العربية التقليدية، لانجاز بحث تاريخي بمواصفات موضوعية مقبولة، ولست أدري ما الذي دفعه للخوض في موضوع شائك ومعقد من قبيل “اصل قبيلة بني كيل”، بينما ابناء المنطقة بمختلف انتماءاتهم القبلية والعرقية لا يعيرون أدنى اهتمام لمثل هذه المواضيع في ظل معاناتهم المزمنة مع كوارث الجفاف والتصحر والفقر والبطالة والجهل والمرض والتهميش، يضاف اليها بالنسبة لبني كيل كارثة مصادرة أراضيهم الجماعية من طرف بعض مصالح الدولة بطرق ملتوية !؟.

لقد وعد المؤلف القارئ بأن يتناول في كتابه بالبحث والتمحيص أصل بني كيل وتوضيح ما اذا كان هذا الاصل عربيا؟ أمازيغيا؟ شريفا؟ او خليطا من هؤلاء واولئك؟ لكنه أخلف وعده، وكل ما قام به عمليا هو تجميع بعض المعطيات المعروفة مصادرها بهذا القدر أو ذاك، وهي في غالبتها ترجح اطروحة الاصل العربي للقبيلة، لكنه لم يخضعها لا للنقذ ولا للتحليل ولا استنتج منها أية خلاصة منطقية ذات معنى كما يفترض، بل القى بها كلها جانبا ثم افسح في المجال لتمرير أطروحة استعمارية تشكك في هذا الاصل، تبعا لما كانت تسعى اليه السلطات الاستعمارية في عهد الحماية من تصنيف سياسي عرقي للمغاربة الى عرب يحكمهم الشرع، وبربر يحكمهم العرف، مع حرص واضح لدى عملائها لتحديد من هو العربي ومن هو البربري بحسب ما تقتضيه مصالحها.

من جهة أخرى لم يكلف المؤلف نفسه عناء التعرف على خصائص لهجة القبيلة، موضوع دراسته، ولا تفحص مميزات ثقافتها ونمط عيشها، ولو فعل لتبين له أن الامر يتعلق بلهجة وثقافة عربيتان بدويتان أصيلتان لا غبار عليهما، وقد كان راعي الغنم وحادي “البل” الكيلي يتغنى بالرسم والطلل ويقف على “الديار” كما كان يفعل الشاعر الجاهلي تماما، وكنت تسمع في حدوه وغنائه عبارات من قبيل “جيت نعر المراسم”(1)، و”اخلات دارها ودركت ..” (درست دارها واختفت آثارها) (2)، وقد قال ذات مرة يصف حالة عجزه جراء منعه من طرف الاهل وكبار القوم من اللحاق بحبيبته التي رحلت بعيدا عن الديار “جرى لي ما جرى لولد الناكة حردوه بالعكل بات ينين .. هو يبكي على امات الشملة وانا نبكي على محنية الرجلين”(3) .. وأي صورة، موجعة هذه للتعبير عن هشاشة العلاقات الانسانية في تلك الفيافي المترامية الاطراف واستحالتها!؟ وأي قاموس هذا الذي ذهب به صاحبه في التعبير الفصيح بعيدا حد بلوغ مراتب الالم الوجداني !؟ وانه لمما يؤسف له أن هذا الابداع الرائع تناقله الناس شفويا في ما بينهم ردحا من الزمن، لكنهم لم يدونوه، وظل على حاله الى أن اندثر أو كاد، وبطبيعة الحال لم يغتن كما يغتني أي ديوان مع مرور الوقت، ولا تجدد محتواه بسبب زوال شرط وسياق اعادة انتاجه، والا لكان لدينا الان اروع ديوان شعر وأصدق سجل للتاريخ !!.

ان شرط التعرف على هوية جماعة بشرية كما في هذه الحالة، في ظل شح الوثائق الكاشفة وقلة المصادر الجديرة بالثقة، يقتضي أول ما يقتضيه من الباحث، في رأيي، استنطاق الرواية الشفوية، ولو من باب الاستئناس، وذلك بشرط سبر أغوار هذه الرواية عبر ما تتيحه من زوايا نظر ومداخل بحثية، اما جلها أو بعضها على الاقل، وأقدم في هذا الاطار، وعلى سبيل المثال لا الحصر، عينة عشوائية من ثلاثة مداخل لما يمكن أن تمدنا به مثل هذه المداخل من امكانيات معرفية ومن المام بموضوع البحث والتعرف على خصائصه :

* مدخل أقوال القدماء وكبار السن: من ذلك على سبيل المثال قول بني كيل أن أرضهم، ارض الظهرة “اخلات وافنات سبع قبايل والثامنة بني كيل” (4) وهو قول يتبعونه في الغالب بالتأكيد على أن .. “من بني وطاس ما بقات ناس”، وفي هذا الكلام ما يفيد بأنهم، اي بني كيل، كانوا على دراية بانهم استوطنوا أرض الظهرة بعدما رحلت عنها مضطرة جميع القبائل الزناتية .. بنو مرين وبنو عبد الواد (الزيانيون) ثم آخرها قبيلة بني وطاس، ومن أغرب ما جاء في كلامهم هذا توقعهم بأنه سيأتي حين من الدهر يضطرون خلاله هم انفسهم وبدورهم للرحيل عن ظهرائهم، لكن من المؤكد أنه لم يدر في خلدهم أن يطلع بمهمة طردهم وترحيلهم منها حلفاء المرحلة .. الجفاف والتصحر و”حكومة آخر الزمان”، وقديما قال المجذوب: “دكالة نوادر كبيرة ما يدريوها مداري خوفي عليك يا دكالة من حكومة الذراري”.

* مدخل القصص والحكايات الشعبية: ومن نماذجها، تداول قدماء بني كيل لحكاية تروي كيف تمكن ذياب بن غانم أحد أبطال التغريبة الهلالية من قيادة قبيلته الى ارض الظهرة، وبالتالي انقاذها مما أصاب مضاربها في الصحراء من قحط وجدب (جدوب بلهجة بني كيل)، وقد تم له ذلك بفضل فراسته العالية التي مكنته من ادراك أن طائر القطا يعرف بفطرته أين توجد الاراضي المعشبة ويهاجر اليها بمجرد سقوط المطر واخضرار المروج، وأيضا بفضل قوة وسرعة فرسه الشهباء، فما كان منه، عندما لاحظ اسراب القطا تعبر سماء مضارب قومه دون توقف، الا أن وظف هذه العناصر كلها فاستظل بالاسراب وواكب القطا .. هي تطير في السماء وهو يعدو بفرسه على الارض، الى أن أوصلته الى مرابع الظهرة حيث حطت تسرح في سهوبها وتبيض بيوضها كما في كل موسم هجرة، بينما هو ولي الادبار يستحث فرسه لاستقدام قومه الى مراعيهم الظهراوية الجديدة … ما يزال في الحكاية بقية .. لكن ما يهمنا من أمرها عند هذا الحد .. هي دلالتها على انتماء قبيلة بني كيل لغة وثقافة لهذا الفضاء الثراثي البدوي العربي (الهلالي السليمي المعقلي .. ) وكذا اعتزازهم به من انتماء، حتى أن بعض كبار بني كيل كانوا يفاخرون بما كانوا يملكونه، حسب زعمهم، من خيل يعود اصلها ” لشهيبة ذياب”، أي للشهباء فرس ذياب بن غانم.

(يتبع)

(1) فعل عر يعر له جذر في المعجم العربي والشاعر يقصد هنا أنه جاء “يعر” اي يزور “لمراسم” ويسألها عن مال سكانها السابقين.
(2) الدار لا يقصد بها البيت أو المنزل وانما المكان حيث ينصب البدوي خيمته قبل أن يترحل من جديد، وعندما زار الشاعر دار الحبيبة وجدها قد درست ولم يتبق منها أثر يدل على أنها كانت موجودة ذات زمان.
(3) حرد الجمل لغة هو تثبيث ركبتيه معا بالعقل (جمع عقال) بهدف منعه من الوقوف والمشي، ويشبه الشاعر هنا حاله هنا كحال ولد الناقة، أي الحوار الذي تعرض للحرد، أما عبارة امات (امهات) الشملة فيقصد بها النوق، والشملة جمع شمال أو شمالة، وهو اسم الخرقة التي تربط على ضرع الناقة للحيلولة دون ارضاعها لصغيرها.
(4) (اخلات وافنات) أي افنت وطردت.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...