مدخرات التونسيين تتآكل بفعل التضخم الجامح

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

*خالد هدوي

 

تركت الأزمات المتتالية التي شهدها الاقتصاد التونسي خلال أكثر من عامين جراء الجائحة ثم تداعيات الحرب في شرق أوروبا ندوبا أكثر عمقا أفرزت غلاء غير مسبوق في مستوى المعيشة، وانعكست ملامحه في تبديد التضخم الجامح لمدخرات المواطنين بوتيرة متسارعة.

تونس- شكلت الأرقام التي كشف عنها البنك المركزي التونسي مؤخرا حول تراجع “قياسي وتاريخي” في مستوى الادخار دليلا آخر على أن الوضع ينبئ بمشاكل أشد قسوة إن لم تعمل الحكومة على تفادي الأسوأ مع وصول التضخم إلى 7.8 في المئة في ذروة ثلاث سنوات.

والشهر الماضي قال مدير عام الدراسات بالمركزي مراد عبدالسلام في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء التونسية الرسمية إن “نسب الادخار تراجعت إلى مستوى 6.2 في المئة”، واصفا المسألة بـ”الخطيرة”.

وأكد أن بلده، الذي بدأ اقتصاده يسترجع عافيته نسبيا من أزمة كوفيد- 19، تأثر جدا باندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية، التي “كان وقعها أكبر وأعمق على الاقتصاد”.


معز الجودي: المواطن لم يعد يملك للادخار فأمواله تذهب كلها للاستهلاك

وإلى جانب ضعف الرواتب التي تبلغ في المتوسط نحو 927 دينارا (300 دولار) شهريا، وهي من بين الأضعف في الدول العربية كان للاستهلاك اليومي تأثير بالغ على عدم قدرة الناس على ترك ودائع في البنوك لأوقات الشدة.

وبحسب مؤشرات البنك في تقرير نشره على منصته الإلكترونية تراجع الادخار بنسبة 58.8 في المئة في 2020، بما أدى إلى تقهقره قياسا بإجمالي الناتج المحلي الإجمالي ليمر من 9.2 في المئة سنة 2019 إلى 4 في المئة، أي أضعف مستوى له منذ عقود.

ويشير عبدالسلام إلى أن الحرب المستمرة منذ أواخر فبراير الماضي، أثرت بشكل لافت على عنصرين إثنين، الأول ارتفاع الأسعار الكبير للنفط والثاني اشتعال أسعار الحبوب. وقال “دول العالم تتسابق لشراء الحبوب وبأسعار مرتفعة جدا”.

وحذر من تواصل تفاقم العجز التجاري لتونس الذي تعمّق من ستة مليارات دينار (1.93 مليار دولار) بنهاية 2018 إلى زهاء 3.2 مليار دولار في الأشهر الخمسة الأولى من هذا العام.

ويرى خبراء أن نسب الادخار تراجعت بشكل كبير بسبب ارتفاع الأسعار وانشغال المواطنين بتوفير مستلزماتهم اليومية من المواد الأساسية والاستهلاكية، علاوة على تراجع ثقتهم في المؤسسات البنكية لإيداع أموالهم.

واعتبر معز الجودي، الذي يرأس الجمعية التونسية للحوكمة الاقتصادية أن هذا التراجع متواصل منذ مطلع 2011، ووصل إلى حدود 8 في المئة بعد أن كان في حدود 21 في المئة قبل ذلك التاريخ وهو ما ينذر بالخطر.

وكانت حكومات ما قبل الثورة تولي اهتماما لمسألة الادخار إذ ركزت في برامجها التنموية على هذه المسألة عبر تحفيز المستهلكين كونها حماية لهم وقت الأزمات وتجنبهم أعباء فوائد القروض الاستهلاكية.

وقال الجودي إن “أسباب التراجع تتلخص في أن المواطن لم يعد يملك أموالا كافية للادخار، وبات ينفق كل أمواله في الاستهلاك اليومي ومستلزمات الحياة، كما أن نسب الرواتب لم ترتفع كما هو الشأن في البلدان المتقدمة”.

وأضاف “نحن الآن في تفاوض مع صندوق النقد الدولي وله شروط يريد تحقيقها، لكن التونسي لم يعد راتبه الشهري يكفيه للإنفاق والادخار”.

وأشار إلى أن البعض ممن يمتلكون أموالا أصبحوا لا يحبّذون الادخار، وباتوا يستثمرون في العقارات وغيرها لأن نسبة الفائدة البنكية لا تشجع على الادخار فهي لا تتجاوز 5 في المئة.

وفي خضم ذلك يعتقد الجودي أن الحل في القيام بإصلاحات اقتصادية شاملة وتجاوز الأزمات السياسية التي جاءت بحكومات متعاقبة لا تشتغل على المدى الطويل وبطريقة ممنهجة، وهو ما يجعل الأزمة الاقتصادية مستمرة.


الصادق جبنون: الناس اضطروا إلى استخدام مدخّراتهم بسبب كورونا والحرب

وتظهر مؤشرات “نمبيو” وهي منصة أميركية تتابع الأوضاع المالية والمعيشية للمواطنين في مختلف بلدان العالم، أن الأسرة التونسية المكونة من أربعة أفراد تصل تكاليف مصاريفها الشهرية إلى نحو 3722 دينارا (1203 دولارات) باستثناء الإيجار.

في المقابل، تقدر التكاليف الشهرية للفرد الواحد بحوالي 1046.7 دينار (338.5 دولار) دون إيجار مسكن. وهذا يعني أن ثمة عجزا على مستوى الدخل وهو ما يجعل الناس يتجهون إلى ترك ودائع لهم في البنوك أمرا صعبا.

واعتبر متابعون للشأن التونسي، أن الأزمات العالمية وفي مقدمتها الوباء أثرت على الاقتصاد المحلي وزادت في نسب الفقر والبطالة، فضلا عن كونها أجبرت التونسيين على الاستنجاد بمدخراتهم وهو ما أدى إلى استنزاف أموالهم.

وفسّر الخبير الصادق جبنون أسباب تراجع نسبة الإدخار قائلا “تونس عانت من تداعيات جائحة لأكثر من عامين، والآن آثار الحرب في أوكرانيا، فضلا عن التضخم المرتفع، اضطر الناس إلى استخدام مدخّراتهم لمواجهة تلك الانعكاسات”.

وأضاف إن “المؤسسات والبنوك التي لديها ودائع تقوم بتمول سندات الخزينة، وهذا منتظر وطبيعي باعتبار أن الأزمة تستنزف الموارد المالية”.

ووفق تقديرات جبنون فإن معدل مدخرات التونسيين لدى القطاع المصرفي تراجع بواقع النصف منذ تفشي أزمة كورونا وحتى الآن.

وأكّد جبنون أن الأزمات العالمية المتواترة في العامين الماضيين أثرت على كل الدول، ما عدى الدول النفطية والصناعية الكبرى على رأسها الصين التي لديها مدخرات ضخمة.

وتظهر تقديرات رسمية أن ادخار الأفراد في تونس يشكل قرابة 10 في المئة فقط من إجمالي الناتج المحلي السنوي والذي يصل إلى قرابة 40 مليار دولار.

وسبق أن توقعت المديرة العامة للسياسة النقدية للبنك المركزي، ريم القلصي، تراجع نسب التضخم إلى مستوياتها المقبولة ما بين 4 و5 في المئة بحلول 2024.

ولكن ذلك رهين بتحسن وضع الاقتصاد العالمي لأنه في حال استمرار استيراد التضخم وعدم قدرة السلطات على معالجة المشكلة من جذورها لن يتغير الوضع كثيرا خاصة إذا لم تتحسن الرواتب.

تقدر التكاليف الشهرية للفرد الواحد بحوالي 338.5 دولار دون إيجار مسكن وهذا يعني أن ثمة عجزا على مستوى الدخل

ونقلت وكالة الأنباء التونسية عن القلصي قولها إن “المعدل المنتظر لنسبة التضخم سيكون في حدود 7.3 في المئة هذا العام على أن يرتفع إلى 8.3 في المئة خلال العام المقبل.

وأوضحت أن قرار مجلس إدارة البنك رفع نسبة الفائدة في منتصف مايو الماضي بواقع 75 نقطة أساس ليبلغ سبعة في المئة جاء على خلفية تصاعد الضغوط التضخمية، التي يتابعها المركزي منذ أبريل 2021 والتي وصلت إلى “مستويات مقلقة جدا”.

وأكدت أنه في حال عدم رفع نسبة الفائدة مرة أخرى فإن التضخم سيرتفع في الأشهر القادمة إلى أكثر من 10 في المئة وقد يصل إلى حوالي 15 في المئة “وهي مستويات لم تصلها تونس في تاريخها”.

*صحافي تونسي

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...