إحسان الفقيه
كاتبة أردنية
لم تعد كرة القدم مجرد مجال ترفيهي، فبالإضافة إلى أنها نشاط حيوي يتشابك مع المصالح الاقتصادية وعالم الاستثمار، أصبحت ذات ارتباط وثيق بأزمات العالم وقضاياه المختلفة، وغدت أعين الشعوب مسلطة على مواقف مشاهير هذه الرياضة تجاه الأحداث والملفات الساخنة.
القضية الفلسطينية ظاهرة بقوة في هذا الوسط الرياضي، والمواقف التي يتخذها اللاعبون والمدربون حيال هذه القضية يتم تداولها إعلاميا وجماهيريا على نطاق واسع.
آخر هذه المواقف، تخص لاعب الكرة العالمي الإسباني من أصول مغربية لامين جمال، الذي يلعب في فريق برشلونة، إذ عمد خلال احتفالات النادي بالتتويج بلقب الدوري الإسباني، إلى رفع العلم الفلسطيني وسط أجواء جماهيرية صاخبة وجموع غفيرة حضرت للاحتفال.
لم يمر الحدث مرور الكرام، ولاقى صنيع اللاعب، الذي لم يتخط عامه الثامن عشر احتفاء عربيا وفلسطينيا، خاصة في قطاع غزة، وتحولت صورته وهو يمسك بالعلم الفلسطيني إلى جداريات على الأطلال في غزة، واسمه مجسمات رملية على شواطئها، وازداد شهرة ولمعانا في العالم بأسره.
أما عن صدى ما فعله اللاعب في الأوساط الإسرائيلية، فنستطيع القول، إنه أحدث هزة عنيفة لدى اليمين الإسرائيلي، عبرت عنها تلك التصريحات المتوترة الانفعالية من قبل شخصيات بارزة في الحكومة الإسرائيلية،
فإضافة إلى الصحف العبرية والإعلاميين الإسرائيليين، الذين هاجموا اللاعب، جاء وزير الأمن الصهيوني إيتمار بن غفير على رأس الشخصيات الرسمية التي هاجمت لامين جمال، فكتب بن غفير على فيسبوك: «يجب على أحدهم أن يشرح للاعب كرة القدم لامين جمال أنه يرفع علم كيان ليس موجودا، وأن خلفه أنهارا من الدم والإرهاب وقتل اليهود». وأضاف: «من يختار أن يتماهى مع علم الإرهاب، فينبغي أن لا يتفاجأ من كراهية الإسرائيليين له». بدوره، هاجم وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، لاعب برشلونة لرفعه العلم الفلسطيني، فكتب على منصة إكس: «لامين جمال اختار التحريض ضد إسرائيل، وتأجيج الكراهية، في وقت يقاتل فيه جنودنا منظمة حماس الإرهابية، وهي منظمة ارتكبت مجازر وعمليات اغتصاب وحرق وقتل بحق أطفال ونساء ومسنين يهود في السابع من أكتوبر» على حد زعمه. وأضاف كاتس: «من يدعم هذا النوع من الرسائل عليه أن يسأل نفسه: هل يعتبر هذا عملا إنسانيا؟ وهل هذا أخلاقي؟ وتابع بالقول: «بصفتي وزير دفاع دولة إسرائيل لن أبقى صامتا أمام التحريض ضد إسرائيل وضد الشعب اليهودي».
تفاقم الغضب الإسرائيلي بعد رد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز على تعليق وزير الدفاع، حيث أكد أن «من يرون التلويح بعلم دولة هو تحريض على الكراهية، إما فقدوا عقلهم، أو أعمى عارهم بصرهم، لقد عبر لامين عن التضامن الذي يشعر به ملايين الإسبان مع فلسطين، هذا سبب آخر لنفخر به».
هذه السجالات أعادت للواجهة التوتر السياسي المتكرر بين مدريد وتل أبيب، على خلفية المواقف الإسبانية التي انتقدت العمليات العسكرية التي قام بها الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، علما بأن حكومة الاحتلال استدعت سفيرها لدى إسبانيا بعد أن اعترفت مدريد بدولة فلسطين في عام 2024، بينما سحبت إسبانيا سفيرتها في دولة الاحتلال في مارس المنصرم.
هذا الغضب الإسرائيلي العارم يثير التساؤلات عن مدى مناسبته لفعل اللاعب، الذي لم يرفع مثلا شعارا لكتائب المقاومة، ولم يشر إلى ما يتعلق بالعدوان الإسرائيلي على غزة، وإنما رفع علم دولة تسمى فلسطين لها مكانها على الخريطة قبل أن يكون هناك مسمى دولة إسرائيل، فلم كل هذا الغضب والهلع؟ الكيان الإسرائيلي تطارده عقدة الشعور بالاغتراب، سواء في محيطه العربي، أو التاريخ الإنساني المعاصر، ذلك لأنه لم يكن دولة قفزت على حدود دولة أخرى، وإنما هو كيان اغتصب أرضا أقام عليها دولته، وهذه الحقيقة لا يستطيع طمسها، ولا يستطيع أن يمسحها من ذاكرة التاريخ، أو من الوجدان الإنساني، مهما كانت الاعترافات الدولية بالدولة المزعومة، لذلك هو يعيش هذه الوحشة، وينزعج من التذكير بدولة تسمى فلسطين، لأن التذكير بها يعني نسف المعنى الوجودي لدولة إسرائيل.
الإسرائيليون لن تفارق مخيلاتهم حقيقة دولة فلسطين، ولا يستطيعون الهروب منها، حتى إن رئيسة الوزراء السابقة غولدا مائير، ذكرت في حديث صحافي قديم أنها كانت تحمل جواز سفر فلسطينيا منذ عام 1921 إلى عام 1948 وهو العام الذي أُعلن فيه قيام دولة الاحتلال، هذا الشعور بالوحشة والاغتراب، هو الذي استثار الصياح الإسرائيلي، وجعل أمثال بن غفير وكاتس يصورون رفع العلم الفلسطيني على أنه دعم للإرهاب وتحريض ضد اليهود، ويختزلون قضية فلسطين في صراعهم مع حماس، ويزيفون الحقائق والوقائع على الأرض التي أظهرت إجرامهم وبطشهم بأهل غزة، ويضعون أنفسهم موضع الضحية المجني عليه.
يتفاقم ذلك الشعور الإسرائيلي عندما تبرز شخصية شهيرة مثل لامين جمال الذي يعد من الصفوة الكروية، ويتابعه على إنستغرام 43 مليون متابع، وهو أضعاف أضعاف عدد الإسرائيليين في الأرض المحتلة، وله تأثير واسع النطاق في متابعيه، ومن يقع في دوائر تأثيرهم، ومن ثم يشكل هذا الفعل (رفع العلم الفلسطيني) على بساطته ضربة دعائية للكيان الإسرائيلي، لأن ذلك يعزز من أنسنة القضية الفلسطينية، وحشد تأييد إنساني جماهيري عالمي لها يزيد من هذا الاغتراب وتلك الوحشة.
أمر آخر مهم يبرز عند تأمل ردة الفعل الإسرائيلية على صنيع اللاعب لامين جمال، أنه يأتي في الوقت الذي أنهت فيه السياسة الإسرائيلية فكرة حل الدولتين، التي لم تعد مطروحة للنقاش على طاولته السياسية، فحكومة الاحتلال أغلقت هذا الملف للأبد، وتجاوزت مرحلة الحديث عن حل الدولتين إلى التصريح بأنه ليس هناك دولة فلسطينية مستقلة، بل دولة إسرائيل وعاصمتها القدس، بل تجاوزته إلى التصريح بحق الإسرائيليين في إقامة دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
تأسيسا على هذه النظرة وهذا التوجّه، لا يقبل الاحتلال، بل يهاجم فكرة الاعتراف بدولة فلسطين ولو كان التعبير عن ذلك برفع العلم الفلسطيني.
العودة إلى حدود ما قبل 1967 لم يعد حاضرا في الحسابات الإسرائيلية، ولم يعد الاحتلال مضطرا للمناورة والمماطلة والإرجاء لهذا الفكرة التي كانت هي جُل الأماني العربية، وهو ما يجب أن يضعه الفلسطينيون والعرب فيما يستقبلون من أمر القضية الفلسطينية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





