ديار إبراهيم السَنكَسري
مع صداح الديك ورفع الأذان بصوت “فَقيٍ” خفيفي النوم، يستيقظ باقي الفقهاء مفيقين من أحلامهم التي أذهلتهم أو أبهجتهم أو أرعبتهم، ملبيين النداء مرددين مع المؤذن بعيون خاملة “الله أكبر.. الله أكبر!”، يلفون جاماناتِهِم ويتواردون للمغاسل كي يتوضؤوا ويرفعوا الحدث عن أنفسهم مزيلين معها الآثام من جوارحهم التي يغسلونها ويمسحونها، يصلون ركعتين قبل صلاة الفجر خاضعين لما أشاد به النبي (صلى الله عليه وسلم) عن أنها تعدل ما تعدل ، وطامعين فيما تعدل!
يقيم المؤذن الصلاة، يتقدم أعذبهم صوتا (أو أنقاهم حسا) ليؤمهم، يكبر للإحرام، ويظن من خلفه أنهم يصلون صلاة المودع من السكينة التي استحوذت على جواهرهم، إنها سكينة الفجر سكنت على أفئدتهم، فهم لا يبصرون الدنيا الدنية. يشرع في تلاوة أواخر البقرة، يتجمع فكره حين يردد ((ربنا ولا…)) لمرات؛ ويَوجَلون، حتى إذا وصل لـ((…واعف عنا واغفر لنا وارحمنا…))؛ شردت أبصارهم وذهلت قلوبهم، ولما انتهى إلى ((…أنت مولانا…)) أحسوا بدفء وأمان ملجئهم، ركنوا لركن شديد، لقد استندوا لمولاهم، إنه خير مولى وخير نصير، حتى إذا هوى لركوعه، ركعت قلوبهم حقا، إنه قرآن الفجر، يبث أشعته بين ثغور هذه الأرواح الغليلة!
ولما قام من الركوع الثاني، رفع يديه قانتا، ونكس رأسه وأنشأ: ((اللهم اهدنا فيمن هديت…))، ومن ورائه يرددون: “آمين”، تأمينة لا تخرج من حناجرهم، بل إنها تخرج من صميمهم، عجيب! أفي صميم القلب مخرج للكلمات والحروف؟ إن فيها مخرجا للعبارات الخاصة، التي انفردت في الخطابات الجللة، كالتضرع إلى من هو رب الوجود، كأنهم بـ”آمين” ـهم هذا يقولون:
“يا ربنا الكريم، أوينا إليك، وتركنا الدنيا وملذاتها خلفنا، وقفنا بين يديك مطأطئين الرؤوس قاصدين عطائك، قمنا أمام بابك معترفين بالفقر والعجز السائد كيانَنا، موقنين أن ما تهبه إيانا خيرٌ مما نرجو، لذلك: ((إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي))! إلٰهَنا العظيم، إننا آتون من ديار بعيدة لهذه الأرض النائية، مؤثرين العلم على الدنيا، مفضلين الثريا على الثرى، فآتنا -يا مولانا- من لدنك علما وحكمة وفضلا، إنك تؤتي من تشاء من فضلك، و((ترزق من تشاء بغير حساب))”.
خرجوا من صلاتهم، ورجعوا غير من كانوا، كأنهم حقا أقاموا الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، جلس كلٌ في مكانه منهمكا في التسبيحات، حتى إذا رُفعت يدٌ وسُمع صوت: “ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار” رأيت الأيادي ترفع لمقر العطاء الوفر والوهب اللامتناهي، والرؤوس تُحنى دلالة على الانكسار، وسمعت الهمهمات والتمتمات تعلو (على أنها لا تعلو عادة)، فهذا يتضرع: “اللهم يسر لي ما أتعلمه، فإنك خير من تعلم أني سلكت هذا السلك في سبيلك”، وذلك يبتهل: “مولاي الكريم، وإن لم أكن أهلا لرحمك، ولكنك أهل للعفو والمغفرة، فاغفر لي ما قدمته، وتقبل مني ما أشغل به يومي من المذاكرة والدراسة، برحمتك يا أرحم الراحمين”، ومن إحدى الزوايا النائية تسمع من يتوسل: “ربي العظيم، أتيت بابك منكسرا ذليلا، ولو قَدِمت باب أحد أهل الدنيا وفعلت معه ما فعلته معك لكان عجرفة مني، ولكنك -يا مولاي- غير أولئك، فإنك تغفر لمن كان ذنبه مثل زبد البحر إن تاب، وترحم من ركن إليك وإن ارتكب من المعاصي ما لا يعد ولا يحصى، وتُؤوي إليك من لجأ إليك ولو أقلع عن مقرك طوال عمره الخالي، لأنك رب رحيم، وإله حليم، ومولى كريم، فأَؤوب إليك -يا مالكي- وأتوب من كل ذنب فعلته راجيا عفوك، طامعا في مغفرتك، إنك خير مآب، وخير مرجع ونصير”.
وبعد سماعهم لنداء “آمين” يتفرقون، يأوي الجل إلى النوم، ويبقى القليل ممن استغلوا هذا الوقت المبارك لعمل مبارك، فتراهم يحملون المصاحف ويبدؤون بالحفظ، ويشعرون أنهم يحفظون الذي يحفظون في نصف المدة التي يستهلكونها في غيرها من الأوقات، إنها بركة الفجر، ويبقون على هذه الحال حتى تطلع الشمس، فإذا ارتفعت قدر رمح صلوا الضحى وأووا إلى أفرشتهم، وهم يحسون أنهم قد عملوا عملا عظيما، لأنهم قد جمعوا بين شتى العبادات السَنِيَة في وقت نزر قليل، فكانوا كمن نهب الغنيمة العظيمة ورجع بها لمأواه.
ومع ذهاب الناس لأعمالهم، يشرعون هم في دروسهم ودراستهم، فتراهم متفرقين بين من يجلس على ركبتيه قدام معلمه، ومن جلس يكتب الحواشي على ما درسه، ومن يحفظ إحدى المتون ماشيا في صفوف المسجد. فإذا أنصت؛ تسمع هنا: “فالماء النجس ما حلت فيه نجاسة…”، ومن هناك تسمع: “…والجار والمجرور متعلقان بـ…”، وهنالك من يشرح: “للرباعي المجرد باب واحد في علم الصرف”، وإذا أصغيت لذلك، فتسمعه يقول: “استعمل المصنف (رحمه الله) براعة الاستهلال عند شروعه في الكلام…”. وهكذا تستمر دراستهم طوال اليوم بسعي دائم مفصولا بينه بفترات وجيزة للراحة، وأيما حجرة ساد عليه روح العلم والعرفان، قلما رأيته طلابه يخوضون في المواضع الدنيوية الهينة، ورأيتهم يترفعون بأنفسهم عليها، لأنهم يسحبون أنهم بعلمهم هذا رقوا في درجات العلو، فلا شغل لهم بذلك.
وإذا ما جن الليل، رأيتهم يغلقون كتبهم ويرجعون لأفرشتهم فرادا وزمرا، والجميل ما تراه حينها، حين تلمح من يؤخر نفسه بحجة الدراسة المتراكمة عليه، حتى إذا خلا المسجد منهم، وتيقن أن الجميع خلد للنوم، توضأ وضوءا خاصا، مُطبِّقا فيه جميع السنن غرا محجلا، حينها يَخُشُّ في المسجد عاكفا، ويقف عند إحدى الأعمدة يشرد في المحراب تارة، وتجنح عيناه نحو محل السجدة تارة أخرى، ويبقى هكذا مدة حتى يخلص النية لمن وقف بين يديه، فإذا ما رفع اليدين وكبر بـ”الله أكبر”، لم يعد يبالي بما يطرأ في خارج هذا العالم الذي صنعه لنفسه، ولو أن أهل الدنيا دخلوا عليه دخلة واحدة لم يكن ليكترث لأمرهم، لأنه في حضرة من هو بيده أمره وأمرهم، ولقد سما بصلاته هاته وعرج بها في الطبقات السبع، والآن… خرج من الوجود!
هذه حياة الفقهاء في حُجرات كردستان، وهكذا يمضون أيامهم، عمرٌ كامل متفرغ في عبادتين: عامة وخاصة، فهم مشتركون في الأولى مع الدهماء اللذين يزورون المساجد، وهي: الصلاة وما إلى ذلك. ومنفردون في الثانية -وهم ثلة قليلة شرفهم الله بها-، وهي: طلب العلوم الشرعية، فيسود كيانهم قاطبة الشعور بفضل ما هم عليه، وكأنهم يرون أنفسهم يوم القيامة ماشين حاملين مشكاتين، كأنهم اللذين قيل فيهم: ((…نُورُهُم يَسعى بَينَ أيديهِم وبِأيمانِهِم…)).





