*ياسين أقطاي
عرفات مكّة هي جوهر الحج، والحج هو عرفة، والوقوف بعرفة -ذلك المشهد العظيم لملايين الحجاج الواقفين تحت أشعة الشمس الحارقة بملابس الإحرام- حدث فريد وعظيم في العالم.
يمكن كتابة آلاف المجلدات من الفلسفة والأدبيات والتحليلات العلميّة عن وقوف ملايين الأشخاص الذين يأتون كل عام لأداء هذه الفريضة، من دون أي تباه أو تفاخر بهذه الوقفة العظيمة.
فلو كان الوقوف بعرفة مشهدًا للتباهي أو الرياء، فلن يضطر أحد من هؤلاء الملايين القادمين من جميع أنحاء العالم لأن يتحمل تلك المشقة والوقوف تحت الشمس، من أجل إحياء هذا المشهد العظيم.
يُنظَّم هذا المشهد -منذ زمن سيدنا إبراهيم عليه السلام- كل عام منذ بداية إنشاء مكة من دون انقطاع، بالمناسك الدينية نفسها والحماس والشعور الإيماني نفسه.
في هذا المشهد، كل شخص مطلوب منه أمران، أولهما أن يكون من الأولين في طلب المغفرة، والثاني إدراكه أنه لا شيء أمام خالقه، عن طريق التخلص من جوارحه وشهواته بالكامل.
في وقفة عرفة، يُخاطَب الحجّاج المسلمين من قِبل الله عزّ وجل، فكلهم سواسية وكلهم خليفته في الأرض، فيشهد الحجاج ربهم أنه لا شريك له وأنهم بذلك أُمروا وأنهم أول المسلمين.
كل شخص عاهد الله سيكون مسؤولًا عن عهده، فيشعر كل مؤمن بالعهد من خلال كيانه الذاتي، وأن الشعور الذاتي للتواصل المباشر مع الله، من دون أي وسيط، يصل إلى أعلى مستويات الإيمان.
في هذا المشهد العظيم، كل شيء واضح، فلا يوجد وسيط بين العبد وربه، والتوحيد أساس العقل والضمير والهوية لكل فرد مسلم.
يقول الله عز وجل: “ونحن أقرب إليه من حبل الوريد” (سورة ق: الآية 16). وفي عرفة، نصل إلى ذلك الوعي وندرك أننا قريبون جدًّا من الله، وأننا الكائن الأسمى الذي خلقنا الله في أحسن تقويم وأنه يعرفنا أكثر منا، فلا أحد أقرب إلينا منه، ولا أحد أرحم بنا منه، ولا أحد أعطف علينا منا إلّا هو.
من ناحية أخرى، فإن البعد الآخر لوقوفنا في عرفة أن ندرك أننا “لا شيء” أمام الله، كما أن لباس الإحرام ليس مجرد لباس أبيض نلبسه، بل يذكّرنا بقول رسولنا الكريم محمد -صلى الله عليه وسلم- أننا “سواسية كأسنان المشط” عند الله، ويقضي على جميع الفروقات التي نعيشها في حياتنا.
نحن البشر عند ولادتنا كنا لا نمتلك أي صفات تفضلنا عن البقية؛ لكن بمرور الوقت، أنشأنا فروقاتنا العرقيّة والطبقيّة والقبليّة والجنسيّة والأصول الجغرافية والتاريخية والأسلاف والثقافات واللغات والطوائف والمهن التي اكتسبناها في أثناء وجودنا على هذا العالم، وكلما زادت هذه الفروقات والاختلافات، زاد بعدنا عن الله عز وجل.
وهنا في وقوفنا بعرفات، نكتشف ذاتنا مرة أخرى ونعود سواسية من دون فروقات، أيضًا نشعر بنوع خاص من التعاطف والأُخوّة والقرب من الأشخاص الآخرين الذين خلقهم الله على قدم مساواة معنا.
أداؤنا لهذه الفريضة الفضيلة يمنعنا من التحدث عن الآخرين بالسوء أو التصرف بشكل سيئ، حتى لو صادفنا كلامًا أو سلوكًا سيئًا، فلا نقابله بالمثل، بل نتحكم في غضبنا ونلتزم بعدم سفك الدماء، أو إيذاء الحيوانات أو قطع الشجر، وعلاوة على ذلك، نلتزم بعدم المساس بشعرنا حتى.
في الواقع، مسألة “عدم مساس الشعر” من الموضوعات التي تمثّل الفلسفة العميقة التي يقوم عليها الإحرام على أفضل وجه، فالله سبحانه وتعالى الذي أعاد الوعي فينا من خلال سلوكنا تجاه الآخرين، يكرره ويعيده بما يتفق مع الغرض من إنشائه، ويذكّرنا أن أجسادنا لا تخصنا أيضًا.
باختصار، يخبرنا الله بأن هذا الجسد ليس ملكك، فلا يمكنك التخلص منه عندما تشاء، ولا يمكنك حتى قص شعرك أو أظافرك، إلا عندما تنتهي من فريضة الحج.
في هذا المشهد يتم تذكيرك بمكانك وقدرك أمام ربك ثم أمام جميع المخلوقات الأخرى مرة أخرى في هذه الحياة.
وهكذا، يصبح عرفات المكان الذي يعرّفنا كوننا خليفة الله على هذه الأرض، وأننا أيضًا لا شيء أمام عظمته.
الوقوف بعرفة يجرد الحجاج بإحرامهم من كل الفروقات العرقية، والقبلية، والقومية، والطبقية ومن كل الصفات المكتسبة من هذه الدنيا.
فلباس الإحرام يذكرنا بأننا متساوون كما خُلقنا، كما أنه يذكرنا بالكفن الأبيض عند رحيلنا من هذه الحياة، فإذا كنا قادرين على التخلّص من كل هذه الامتيازات والاختلافات في العالم قبل أن نموت فقد فزنا فوزًا عظيمًا.
إن الصلاة في عرفات أو مزدلفة أو منى مميزة جدًا، فهو خير يوم طلعت فيه الشمس، فيبدأ الحجاج بعد نزولهم من عرفة في جمع الحصى بمزدلفة لرمي الجمرات؛ حيث يُعتقد أن الشيطان موجود بالفعل وأن الحجارة التي يتم رميها في أثناء الرجم تضعفه حقًا، لكن رؤساء قوافل الحجيج والمرشدين يقولون إن الشيطان هنا -هو في النهاية- “رمز”، لذلك لا ينبغي التفكير في أنه سيتم إلحاق ضرر أكبر بالشيطان بحجر أكبر.
الشيطان يوسوس للجميع، فكلهم داخلون في عموم الناس المذكورين في قوله تعالى: “الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس” (سورة الناس الآية 5-6)، فقد يجد طريقة لإثارة غضب المسلم أو من خلال شعوره أنه مختلف عن باقي الناس كشخص عنصري، مثل الحديث عن “مدى قذارة أمة بعينها، ومدى كسل تلك الأمة… إلخ”.
ورمي الجمرات يأتي من أجل تلك الوساوس والغاية منها، فهي الخضوع والاستسلام الكامل لأوامر الله عز وجل، كما جاء في قصة سيدنا إبراهيم عندما وسوس له الشيطان وأمره الله برجمه، لذلك؛ ينبغي ألا ننسى أن الحج اختبار استسلام لأوامر الله.
بعد عرفات، يخضع المسلم لاختبار الهدي الكبير، فهذا الطريق أصعب مما يُعتقد، ففي الطريق إلى النحر يوسوس الشيطان إلى عقل الحاج بعبارات مثل “حتى لو لم أذبح الهدي فهل أعطى الصدقة بدلاً منه؟ ألا يجب أن يكون هذا الهدي في بلدي بدلا من هنا؟ لم يعد بإمكاننا ذبح الهدي بأيدينا، بل سنوكل ذلك لشخص آخر”، لنصل لدرجة أننا لا نعرف حتى إذا ما كان الهدي قد وصل بالفعل إلى الفقراء.
قد تكون هذه الأسئلة أو ستكون مجرد أسئلة حول الهدي، أو وساوس خبيثة حول أمور أخرى يتعرض لها كل حاج في هذا الطريق، وعلى المسلم أن يكون مستعدًا ضد كل هذه الوساوس والإغراءات في مزدلفة.
تعد مزدلفة أحد الأماكن التي يتم فيها التأكد من أن من أن فريضة الحج دائمة ومستمرة بشكلها من دون تمييز، بغض النظر عن مدى تحسن الظروف مع تقدم الحياة التكنولوجية، ففي مزدلفة تبدو المساواة بين الجميع أكثر مما كانت عليه في عرفات؛ حيث يتم جمع الجمرات، كل حاج يجمع الحصيات الخاصة به، كما يتم تحديد حجم الجمرات المراد رميها، مع النية والإرادة الخالصة والعودة إلى الله والمبيت في مِنى إلى صباح اليوم التالي لرمي الجمرات.
بعد المبيت في مِنى، يحين وقت رجم الشياطين، وأيضًا وساوس الشيطان لا تتوقف حتى عند رجمه فيُدخِل في عقل المسلم أنه “لماذا نرجم 3 شياطين؟ ما الذي يمثله هذا الحائط؟ هل تختلف الشياطين الكبرى والمتوسطة والصغرى عن بعضها بعضا بطريقتها الخاصة؟”، لذلك عدم التساؤل والتسليم إلى الله هو خير الأمر.
نسأل الله تعالى برحمته أن يجمعنا كل عام على طاعته وأن يغفر ذنوبنا ويطهرنا من خطايانا.
في النهاية، لا بد من أن نسأل لماذا لا تتأثر الأمة الإسلامية بعد أداء هذا الركن العظيم كل عام بما فيه من تربية النفس وتهذيبها؟ أم أنها متأثرة بالفعل؟ ولكن كيف؟
*أكاديمي وسياسي وكاتب تركي





