رئيس المجلس العلمي لاقليم فكيك يخنشل تاريخ قبيلة مغربية عريقة !! (3)

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

بقلم .. عمر الطيبي

 

 

 

(في هذا الجزء الثالث والاخير من المقال سأبين كيف اعتمد الكاتب على أحد صناع الظهير البربري كمصدر واحد ووحيد للقول بالاصل التلمساني لقبيلة بني كيل)
* * * * *
أما المدخل الثالث الى جانب مدخلي “اقوال القدماء وكبار السن”، ثم “القصص والحكايات الشعبية” اللذين تطرقنا اليهما في الجزء السابق، فنتناوله كالتالي ..

* مدخل تأويل الاسطورة: اورد رئيس المجلس العلمي لاقليم فكيك في كتابه نصا كولونياليا مطولا هو عبارة عن قصة أسطورية رواها أحد قياد بني كيل لمراسل صحفي فرنسي “كدليل” على “النسب الفاطمي الشريف لهذه القبيلة”، وهي قصة مليئة بالحروب والصراعات والخوارق والمعجزات التي انتهت في الختام بانتصار بني كيل “الاشراف الفاطميون” على القصورية “الكفارالمتنكرين لنعم الله”، حتى تمكنوا من اخضاعهم لسلطتهم وسلبهم واحاتهم وكل ممتلكاتهم !! وفي نظري لا ينبغي التعامل مع هذه القصة بسخرية وسذاجة كما فعل السي بنعلي، انما يتعين ادراجها ضمن نسق السيرة الهلالية بكل ما حوته قبلها وبعدها، من ملاحم وبطولات وخوارق ومعجزات، حدثت كلها، حسب الملحمة الشعبية العربية الشهيرة، أثناء غزو الهلاليين لشمال افريقيا “نصرة لال البيت” و”انتقاما” من حكامها السنة، خاصة الزيريين والحماديين على “خيانتهم” للخليفة الفاطمي الشيعي في مصر ودعائهم من أعلى المنابر للخليفة العباسي (السني) في بغداد، وبالتالي فان قصة القايد الكيلي الاسطورية ليست في حقيقتها سوى صدى محليا وصورة مصغرة لما جاء في التغريبة الهلالية الاصلية، وهي وان تم تقديمها ضمن راوية القايد الكيلي كدليل على نسب قبيلته “الفاطمي الشريف”، فانها لا تدل في نهاية المطاف سوى على انخراط بني كيل في هذا التقليد الثقافي العربي البدوي التاريخي الهلالي العام واعتزازهم بانتمائهم اليه، ويبقى أهم ما تلتقي فيه الاسطورتان في النهاية هو تأسيسهما لشرعية تملك الارض بناء على قرار من الفاطميين ومنحهم اياها في تونس للهلاليين، وفي الظهرة والواحات الفكيكية لبني كيل.

لقد تناول المؤلف موضوع “بحثه” بدون اعتماد أي اختيار منهجي مقبول علميا، لذلك تعذرعليه تقديم أي تفسير لمعنى القصة الاسطورية التي حرص على سردها بكامل تفلصيلها .. ولست أدري لماذا !!؟؟ كما أنه وبسبب تخبطه المنهجي أنتج “نصا” مليئا كله، أو يكاد بالحشو اللغوي الفارغ، والكلام الزائد الذي لا مبرر له، وأبرز مثال على ذلك استعراضه لرحلات ستة من الفقهاء المرافقين لبعثات الحج المخزنية ذهابا وأيابا، هم على التوالي أبو علي اليوسي، والوزير الاسحاقي، وابو العباس القادري، ومحمد بن الطيب الشرقي، والحضيكي، واخيرا محمد بن عبد السلام الناصري، بدعوى البحث في هذه الرحلات، التي كتبت في فترات متباعدة من التاريخ، والتي تبقى في جميع الاحوال متشابهة من حيث المضمون، عن أي ذكر أو أثر لقبيلة بني كيل، والغريب في الامر أنه أفرد نحو عشر صفحات كاملة من الكتاب للحديث عن هذه الرحلات، رغم علمه بعدم اشارتها للقبيلة موضوع الدراسة الا بصورة محدودة جدا!! والاغرب من ذلك أنه أشار هو نفسه قبلا الى أن قوافل هذه البعثاث لم تكن تعبر المجال الترابي للقبيلة، وانما كانت تسير بمحاداة أقصى الحدود الشمالية لهذا المجال، مارة بنقطتي عين بني مطهر والمشرية (الشرقية) لا تحيد عنهما، فكيف له أن يبحث عن ذكر لاخبار بني كيل في ثناياها، وهو نفسه يؤكد مسبقا أن هذه الرحلات لم تكن تمر بمجالهم الترابي أصلا !!؟؟

صحيح أنه قام بعد ذلك بنوع من “تعديل مسار البحث” باستعراض شكلي لما جاء في كتابات بعض كبار الرحالة والمؤرخين من أمثال ابن خلدون وابن الوزان والادريسي .. حول زحف قبائل المعقل وبني هلال وبني سليم على منطقة الظهرة وما جاورها من فيافي صحراوية، مع ذكر بعض ما رافق ذلك الزحف من تأثيرات وتفاعلات وصراعات وتحالفات قبلية، تستقر تارة وتثور اخرى، لكنه لم ينته من ذلك لأية خلاصات ولا صاغ أية فرضيات عمل تفيد البحث، ليبقى من الواضح أن الهدف من هذا الاستعراض كله لم يكن يتجاوز، بالنسبة للكاتب، حدود التغطية على ضعف مقاربته وتهافتها، وفي الوقت نفسه اعطاء الانطباع للقارئ بشمولية وعمق ما أنجزه من “بحث”.

هكذا اذن تحولت محاولة رئيس المجلس العلمي لاقليم فكيك في تأصيل تاريخ قبيلة بني كيل، لمجرد محاولة لنفخ الروح في أطروحة للكاتب الكولونيالي الفرنسي المنحدر من كراغلة جزائر بني مزغنة، اسماعيل حامت، والتي أكد من خلالها أن بني كيل ينحدرون من قبيلة بني عبد الواد (أو الزيانيون) حكام تلمسان، وهي أطروحة تعامل معها بنعلي كما لو كانت مسلمة محسوم في أمر صحتها وليست فرضية عمل قابلة للفحص والتمحيص كما بالنسبة لاية فرضية عمل أخرى، مما يعني أن الكاتب لم يقم في نهاية المطاف بأكثر مما اعتبرته شخصيا في عنوان هذا المقال عملية “خنشلة” لأصل هذه القبيلة المغربية العريقة، أي جعلها منحدرة من أصل جزائري، وذلك على غرار ما تقوم به بعض الاوساط الجزائرية من “خنشلة” لكل ما هو مغربي، واعتبار الكثير من اعلام وابطال التاريخ المغربي، وكذا القبائل المغربية، ومدن وقرى المغرب وجميع مظاهر حضارته ذات منشأ وأصل جزائري بالضرورة.

لقد اعتمد رئيس المجلس العلمي لاقليم فكيك الكاتب اسماعيل حامت (أو حامد في اللسان العربي) مصدرا واحدا ووحيدا للتأكيد على الاصل التلمساني الزياني لبني كيل مستشهدا بنص له يقول فيه (1) : “ان بني كيل الذين يعتقدون أنهم عرب هم من نسل بني عبد الواد بتلمسان، وما زالوا يتألفون من فرعين، هما بنو غمراسن، وبنو كومن ..”، ثم ولمزيد من الاصرار على تبنيه لهذه الاطروحة عقب على مضمون النص بالقول ” أما أصحاب الرأي الثاني فيصرون على أنهم (أي بني كيل) من أصل عربي خالص (2)، بل تراهم يقدمون رأيهم للقارئ دون دليل، كأنما هو من المسلمات، وذلك ما ينفيه المؤرخ السابق اسماعيل حمت ويعتبره ادعاء ليس الا”!!. (ص 37) ولمغالطة القارئ، وبقصد تمويهي واضح، وصف بنعلي حامت بكونه مؤرخا جزائريا .. فمن يكون اسماعيل حامت في الحقيقة ؟؟

اسماعيل حامت (1857 ـ 1932) هو ضابط في الجيش الفرنسي خريج أكاديمية سان سير العسكرية الفرنسية الشهيرة، وهو من أتراك جزائر بني مزغنة، الحق سنة 1911 بالقيادة العامة للجيش الفرنسي كضابط مترجم ممتاز، واشتغل فضلا عن ذلك استاذا بالمدرسة العليا للغة العربية واللهجات البربرية في الرباط، وساعد بهذه الصفة على تحضير واعداد وتنفيذ مقتضيات ما يعرف بالظهير البربري (1930) والذي كانت الغاية من اصداره هو التفريق بين العرب والبربرالمغاربة، ومن ثم اخضاع المغاربة المصنفون “عربا ” لقوانين الشريعة الاسلامية والسلطة السياسية للمخزن، واخضاع المصنفون “بربرا” للقوانين العرفية وللسلطة السياسية لنظام الحماية.

وقد كان اسماعيل حامت أحد أبرز عناصر تلك النخبة الطليعية “الانديجانية” (الجزائرية) التي شكلتها السلطات الاستعمارية الفرنسية من كتاب أيديولوجيين وجواسيس ومخبرين ومترجمين ووسطاء من أجل احتلال المغرب وترسيخ وجودها في مدنه وبواديه، وقد قامت هذه النخبة بدور مؤثر وفعال، لا يقل أهمية عن الادوار العسكرية الحاسمة التي قامت بها جيوش “الزواف” و”الصباحية” و”السبايس” و”الرماة الجزائريين” (les tirailleurs Algériens) التابعين للجيش الفرنسي في غزو ارض المغرب واحتلال قراه وحواضره، وقد عرفت هذه النخبة فضلا عن ذلك باشتغالها على مشروع ايديولوجي كولونيالي كبير يهدف الى الحاق “التاريخ البربري” بمسار التاريخ الفرنسي القديم لقبائل “الفرانك” و”الغال”، وذلك في افق ادماج البربر الحاليين ضمن الهوية الفرنسية الحديثة وضمان انتمائهم المستقبلي للماما فرنسا.

من الكتابات التي انجزها اسماعيل حامت في اطار هذا التوجه الايديولوجي الكولونيالي الشامل .. مؤلفات ” الحكومة المغربية واحتلال الجزائر”، و” خمسة أشهر بالمغرب” و”المسلمون الفرنسيون بشمال افريقيا” .. الخ، وعلى ما يمكن أن تنطوي عليه هذه الكتابات من معلومات تاريخية مفيدة وما قد تحيل عليه من وثائق ومراجع بعضها قيم ما في ذلك شك، فان خطأ بنعلي هو أنه تبنى ما جاء فيها، بخصوص الموضوع الذي نحن بصدده، بدون وضعها في اطارها التاريخي وبلا أدنى تمحيص وتحليل نقدي، حتى أنه تبنى ما جاءت به من تفصيل حول تشكل قبيلة بني كيل من فرعين اثنين تابعين لبني عبد الواد، هما “بني كومن” و”بني غمراسن”، تبني دوغمائي يكاد “لا يأتيه الباطل لا من بين يديه ولا من خلفه” !!؟؟.

لكن الكاتب لم يشغل نفسه والحالة هذه، وكما يفترض، بتتبع أثر قبيلتي بني كومن وبني غمراسن المذكورتين لا في الزمان ولا في المكان، لكيما يبين لنا كيف تحولتا، فجأة ومعا، بحسبه الى قبيلة واحدة تسمى “بني كيل”، ولا هو أشار على الاقل الى أن قبيلة بني كومن أو (بني كومي) ما زالت “حية ترزق” الى يومنا هذا في الجوار الجنوبي لمدينة فكيك، انها قبيلة أمازيغية تعمر قصور “تاغيت” وواحاتها المنتشرة على ضفتي وادي زوزفانة بالصحراء الشرقية المغربية المحتلة، مع العلم أنه لا علاقة معروفة تربطها على المدى الزمني المنظور والمعروف ببني كيل، أما بالنسبة لقبيلة بني غمراسن فهي أيضا قبيلة أمازيغية تستوطن الجنوب التونسي البعيد، فكيف تحولت القبيلتان في الان نفسه ومعا الى قبيلة أو فدرالية واحدة موحدة تستوطن الهضاب الشرقية للمغرب تحت اسم بني كيل!!؟؟، ذلك ما كان على السي بنعلي أن يوضحه قبل أن يقدم على “خنشلة” أصل هذه القبيلة المغربية العريقة وجعله تلمسانيا جزائريا محضا كما سبقت الاشارة، لكنه لم يفعل، لانه ليس بمقدوره فعل ذلك على كل حال.

لقد رفض كبار بني كيل هذه الاطروحة في حينه، كما أشار الى ذلك اسماعيل حامت نفسه، واشهروا في مقابلها التأكيد على انتمائهم للفرع الحساني من بني معقل، وتأكيد قرابتهم مع قبيلة بني أحسن المستوطنة حاليا بمنطقة الغرب المغربية، كما ولم يسبق لبني كيل التعامل في ما بينهم وفي لغتهم اليومية على أساس انتماء ثنائي لفرعين قبليين يسمى أحدهما “بني كومن” والثاني “بني غمراسن”، وذلك رغم المحاولات الحثيثة التي قامت بها السلطات الاستعمارية لزرع هذه الثنائية في وعيهم الجمعي وترسيخها في معاملاتهم بل واعتمادها في تصنيفاتهم الادارية، ويبدو أن هذا الموقف من كبار بني كيل كان وراءه اقتناعهم بانتمائهم تاريخيا للهوية العربية، وأيضا تشبثهم سياسيا بالانتماء للكيان المغربي في مواجهة الاستعمار الفرنسي الزاحف على ارضهم يومها.

تجدر الاشارة في ختام هذه القراءة التحليلية لكتاب السي محمد بوزيان بنعلي “المحطات الكبرى في تاريخ بني كيل والظهرا” الى أن هذا الموضوع يظل موضوعا بكرا مفتوحا على جميع الاحتمالات التاريخية، وأن البحث فيه يقتضي من بين ما يقتضيه الانطلاق من ذخيرة توثيقية كافية والتسلح بالمنهج العلمي التاريخي الملائم والتجرد من اي نزعة أيدويولوجية سياسية وعنصرية عرقية من شأنها التاثير سلبا على نتائج البحث، وحينها فقط يمكن الاجابة على الاسئلة التي يثيرها بكل ثقة واطمئنان.

(1) Ismail Hamet , les musulmans Français du nord de l’Afrique: 98

(2) Le capitaine Nicolas Girard, Etudes sur le Maroc: 55

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...