بيئة العمل العربية

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

 

 

*ذ.عبد البصير جمال أحمد عيد 

 

 

 

 

في تقرير نُشر على منصة إعلامية يظهر فيه بلدان عربيان على رأس قائمة أكثر شعوب العالم معاناة من الضغط النفسي لعام 2022، حيث أظهر التقرير الصادر من مركز غالوب العالمي لاستطلاع الرأي أن لبنان حصلت على المركز الثاني والأردن على المركز الخامس عالمياً. وقد أثارت هذه النتائج بداخلي الكثير من التساؤلات حول أسباب هذه الضغوطات.

لن أتطرق في هذا المقال حول تلك الضغوطات التي تأتي من الأوضاع الاقتصادية السيئة بسبب الأزمات العالمية أو السياسية، ولا تلك التي تأتي بسبب الكساد الاقتصادي أو الفساد الداخلي الذي ينخر في عظم الحكومات المختلفة ولا تلك الضغوطات التي تأتي بسبب القرارات الغير مدروسة التي تخدم طبقة دون أخرى. بل يناقش هذا المقال تلك الضغوطات التي تكون نحن من يخلقها في بيئة عملنا العربية، تلك الضغوطات التي نطحن فيها أنفسنا رغم معرفتنا بمعاناة بعضنا البعض وكيف أننا نسعى نحو لقمة عيشنا رغم قسوة العالم من حولنا.

يعتقد الكثيرون عندما يقارنون بين بيئة العمل العربية وغير العربية أن العرب يعيشون في جو من الضغط النفسي لا داعي له، فالعمل يمكن أن يتم إنجازه من غير كل تلك المبالغات والكثير من الشعارات التي تشبه فقاعات الصابون التي سرعان ما تتلاشى وتختفي مهما بلغ عددها. ويعتقد آخرون أن هناك من أرباب العمل من يجعلون من الشعارات الدينية غطاء لممارسة ضغط العمل على الموظفين، وأغلب هذه المؤسسات تدعي أنها مؤسسات دينية “إسلامية”. فهم يخلقون مغالطات دينية عندما يقولون: “العمل عبادة” متناسين أننا نعمل من أجل العيش، لا نعيش من أجل العمل.
الكثير من الشركات تهرول متلقفةً الشعارات الغربية من غير فهم لطبيعة الغاية التي وجدت من أجلها هذه الشعارات، فنصبح نحن العرب ننادي بها من غير فهم أو إدراك، فنعقدُ الاجتماعات والندوات وورش العمل وفي آخر المطاف تجدهم على أرض الواقع يعملون في تخبط فلا أحد يعلم ماذا يفعل لكن المهم أنهم جميعاً يتخبطون ويدورون في حلقات من الفوضى. فتجد الجميع لا يرتاحون ولا يريحون من حولهم.

ويمكن أن يوصفوا بـأنهم “يحفظون ولا يفهمون”، كل ذلك يعود إلى فقدان الثقة بالنفس وأنهم باعتقادهم كلما تحركوا أكثر دليلٌ على أنهم يعملون أكثر. لذلك تجد الكثير منا لا يحترم ولا يميز بين أوقات العمل وبين حياة الموظف الخاصة بعد العمل، وهذا أكبر دليل على حجم التخبط الذي نعانيه نحن في بيئاتنا العربية. فكرة استبداد أرباب العمل واستعباد الموظف من خلال تطويع القوانين بشكل مغلوط لخدمة مآربهم الشخصية التي تعتمد بشكل كبير على الاستغلال من أجل جني الأرباح.
فذلك الإنسان العامل لا يعدوا عندهم أكثر من كونه رقم لا أقل ولا أكثر إن احتاجوا إليه تمسكوا به وإن كان من المصلحة أن يستغنوا عن خدماته كان “التفنيش” هو الحل الأفضل والأقصر.

إن فقدان الإيمان الحقيقي والانتقال نحو العالم المادي جعل الجميع ينظر إلى العالم من جانب الربح والخسارة وكأننا نجري في سباق مع الزمن من أجل جني أكبر قدر من الأرباح بغض النظر عن الحالة النفسية ومدى رضا العاملين عن أسلوب العمل وضغوطاته. ولعل ما حدث ويحدث حالياً أكبر دليل على أن الحياة لا تستحق منا أن نقتل أنفسنا من أجلها. فما حدث بسبب جائحة “كورونا” لم يكن بحسبان الكثير من الشركات التي كانت قبل الجائحة تتسابق من أجل جني الأرباح وأثناء الجائحة أصبحت مخازنها مغلقة وتعاني من عجز واتجهت نحو الإفلاس.

في بيئاتنا العربية نجد الكثير من الشركات وأرباب العمل يسعون نحو الدقة المفرطة والتدقيق في أصغر الأمور متغاضين الطرف عن أمور كبير يمكن أن تكون أهم بكثير. ولكن نحن لا ننظر للأمور بمنظور مهني بقدر ما ننظر للأمور بتسلط على الموظف وعيش دور المسؤول أو المدير. فالعقلية العربية تتجه بشكل كبير نحو التسلط وحب الظهور ولبس البدلة مرتبط بشكل كبير “بالبريستيج” والحياة الزائفة. لذلك تجد المرشح للبرلمان عندما يصبح نائباً لا يحلو له أن يتصور أو يظهر للعامة إلى من داخل سيارته الفارهة أو من خلال موكب مهيب وكأنه حاكم دولة أو وزير يشهد له الجميع بالنجاح بسبب إنجازاته التي لا تعد ولا تحصى! وفي المقابل تجد رئيس وزراء بريطانيا جونسون يتسوق وحده بلباسه العادي من المتجر وهو نفسه يقدم الشاي للصحفيين حول منزله المتواضع بلباسه المنزلي.
كما يشتكي الكثيرون من انتشار بعض العادات السيئة في بيئة العمل العربية مثل؛ القيل والقال، والمحاباة التي تبدأ من الواسطة والمحسوبية في التوظيف وحتى الرواتب التي لا تتبع سلم معين وحتى الترقيات والحوافز، وظاهرة التنافس غير الشريف في العمل. وأيضاً يعاني الكثيرون من مسألة الخلط بين العمل والحياة الشخصية الخاصة، فما هو للعمل يجب أن يبقى للعمل وما هو خارج العمل يجب أن يبقى خارج العمل، فمن غير المقبول أن يتدخل المسؤول المباشر في حياتك الشخصية مثل علاقاتك وصداقتك وسيارتك وهاتفك ومتى تستيقظ ومتى تنام ومع من تسهر…إلخ.

ويضيف آخر أن البيئة العربية تنتشر فيها “الشللية” بمعنى الحزبية و التجمعات والتكتلات وكأن العمل ساحة حرب مفتوحة. وهنا بلا شك يتحول مكان العمل من بيئة من المفترض أن ينتشر فيها العمل بمهنية عالية إلى مكان يمكن وصفه أنه بيئة عمل فاشلة وغير ناجحة تجعل من الإنسان يسير نحو الموت البطيء بسبب الضغوطات النفسية التي يتعرض لها الموظف.

وختاماً نحن نحتاج من أن نطور مفهومنا نحو العمل والإدارة ابتداءً من إدارة الذات حتى إدارة الشركات والمشاريع. فالإدارة الناجحة هي التي تبني إنجازها بأقل جهد وأقل التكاليف. كما يجب علينا أن نقدر الإنسان ونفهم احتياجاته ولا ننساق نحو الحياة المادية المفرطة على حساب إنسانيتنا. نحتاج دائماً أن نبني علاقات فيها كم كبير من التعاطف والمودة بين الجميع على اختلاف مناصبهم المهنية فنحن بالآخر بشر، فالموت لا يميز بين عامل ولا وزير ولا يميز بين صغير ولا كبير، فالجميع سيقف ويُحاسب أمام الخالق.

*كاتب وخبير تربوي 

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...