رسالة استوقفتني

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

الدكتور عماد ستار عمر

 

 

 

نحتاج اليوم أكثر مما مضى للرجوع إلى التاريخ؛ لمراجعة الحاضر، وبناء مستقبل يليق بمكانة الأمة، وفي تاريخنا نماذج فريدة لاتعد ولا تحصى تستحق التأمل، ومن أجمل ماحفظ لنا صفحات التاریخ، الرسالة التی كتبت كل فقرة بدموع من الحزن والتحسر علی واقع آلیم ،آه كم هو ٲلیم ٲن تری عزیزا فی موقف من الذل والهوان. هذه الرسالة نفحات من قلب مهموم ومسؤول، وآخر ماكتبه قلم كاتب مرموق من رجال الٱمة ،كتبه في أيامه الأخيرة في حياته السيد فؤاد باشا( ) وأرسل رسالة في غاية الأهمية إلى سلطان عبد العزيز( ) عم السلطان عبد الحميد الثاني( )، والرسالة جزء من الوصية الأخيرة التي كتبه في حياته عندما حس بدنو أجله في بلدة (نيس) في فرنسا (1868م) ملخصها فيها أفكاره، ومقترحاته في إصلاح شؤون الدولة العثمانية،هذه الرسالة تستحق الدراسة العميقة والوقوف على فقراته واحدة تلوا الأخرى وأنقله نصا رجاء التدبر.

يقول السيد: مولاي السلطان: لم يبق من عمري سوى أيام قلائل … ربما أقل، وأريد أن أحصر هذه المدة الباقية في وظيفة كبيرة ومقدسة، فأعرض أمام جلالتكم وأفكاري الأخيرة، ربما أكون قد رحلت عندما ينظر صاحب الجلالة إلى هذه الأسطر، لذلك فإنه يستطيع – في الأقل هذه المرة – الاعتماد على كلامي، لأن الأصوات المنبعثة من القبور تقول الحق بإخلاص على الدوام، مولاي السلطان ! إن المقام الذي أودعه الله إليك محاط بالأخطار بقدر ما هو مشرّف ومجيد، ولكي تستطيع القيام بالوظيفة التي أخذتها على عاتقك خير قيام كان واجباً عليّ أن أحيطك علماً بوضع مؤلم للغاية، إن دولة آل عثمان في خطر، فبسبب أخطائنا تقدم أعداؤنا بصورة مذهلة وتخلفنا نحن، وهذا دفع الدولة إلى هاوية الأزمات، هناك حلٌ واحدٌ فقط للخلاص من هذه الهاوية، يا مولاي ! يجب أن تقطع علاقتك حالاً مع الأسلوب القديم لإدارة الدولة، لقد آن الأوان لإعطاء قوة جديدة للدولة، إن بعضاً من المغترين بأنفسهم – أو الوطنيين على حد زعمهم – سيقولون وسيحاولون إقناعكم بأن من الممكن إرجاع الدولة العثمانية إلى سابق قواتها بالوسائل القديمة، هذا خيال يا مولاي ! … وما أعظمه من خطأ ! لو كان جيراننا كما كانوا أيام أجدادنا أي لو دام الوضع القديم، فلا شك أن الوسائل القديمة كانت قادرة على إخضاع أوروبا لأوامر سيدنا، ولكن أوروبا اليوم – مع الأسف – ليست أوروبا ما قبل مئتي سنة، فقد تقدموا إلى الأمام وخلّفونا وراءهم، ولا شك أننا أيضاً لسنا كما كنا سابقاً، فالدولة العثمانية تملك اليوم كثيراً من المعارف التي لم تكن معروفة أيام أجدادنا العظام، ولكن –كما قلت سابقاً – لا تكفي هذه الدرجة من المعرفة، فلا تزال هناك مسافة شاسعة بيننا وبين العصر الذي نعيش فيه، ولكي تستطيع الدولة العثمانية البقاء في قارة أوروبا يجب أن لا نتفوق على أجدادنا فحسب، إنما يجب بلوغ قوة جيراننا، بل التفوق عليهم .

ولكي أكون أكثر وضوحاً أقول : لا تستطيع الدولة العثمانية الوصول إلى السلامة إلا إذا أصبحت لها قدرة مالية كإنجلترة، وقدرة علمية وفنية كفرنسا، وقدرة عسكرية كروسيا، إن المماليك التي تحكمها سيدي حائزة على جميع الشروط اللازمة للتفوق على أية دولة من دول أوروبا، ولكن لكي نستطيع الاستفادة من هذه الشروط يجب تجديد جميع الأجهزة السياسية والإدارية وأجهزة العدالة،فهناك مجموعة من الأساليب والقوانين القديمة التي كانت ذات فائدة في الماضي، أما الآن فهي ليست فقد دون فائدة، ولكنها اليوم ضارة بلا شك .

إن الدين الإسلامي قد تبنى العلم دائماً، والعلم لا يعرف في الدنيا مسلماً ومسيحياً، فلابد من قبول وبتنّي أي مفيد لبني الإنسان بصرف النظر عن مكان اختراعه، إن الإسلام لم يأمر أحداً مطلقاً بالسؤال عما إذا كان هذا الشيء مخترعاً في المدينة المنورة أو في باريس، إن عرض هذا الموضوع هو لبيان أن دولتنا بتغييرها الأساليب القديمة لا تكون متصرفة ضد الدين …( )، بعض الناس في الماضي التليد، ويغفلون عن الحاضر، ولا يأبهون بالمستقبل، فتتحول وجهتهم رويداً رويداً إلى الوراء، كسيارة يركّز صاحبها على – مرايا النظر إلى الخلق – ولا يعتني بالمرايا المتوجهة نحو الأمام، ولا ريب أن الإنسان ابن عصره وابن بيئته، وأن الكثير من المسلمين باتوا اليوم – ماضويين – في وسائلهم، وفي أفكارهم، لا يمتّ حالهم إلى حال عصرهم بصلة، وليس المطلوب تغيير المبادئ، فهذه لا تتغير ، ولكن الوسائل هي التي تتطور وتتبدل وتتغير، أما رفض تغييرها فهو نوع من تحنيط الحضارة، ثم الادعاء أن المومياء المحنطة بها حياة( ) . فكم نحتاج الیوم لمثل هذه العقول وهذه القرائات العمیقة لحل قضایانا المصیریة ۰

)) – محمد فؤاد باشا: هو سياسي تركي، وزير خارجية الدولة العثمانية في (1852-1853) و(1855-1856)، تولى الصدارة العظمى أو رئاسة الوزراء مرتين (1861-1862) و (1863-1867)، يُعتبر أحد أبرز رجال الحركة الإصلاحية التي استهدفت تحديثَ الأمبراطورية العثمانية على أُسس غَربيّة، عملَ على إصلاح نظام التعليم، وشارك في تأليفأول كتاب في قواعد اللغة التركية (عام 1851). (ينظر: موقع المعرفة.http://encyc.reefnet.gov.sy)
)) – عبد العزيز بن محمود الثاني السلطان العثماني الثاني والثلاثون ، ولد عام (1830م) ، خلف أخاه عبد المجيد بعد وفاته سنة (1861م) ، له مشروعات وإسهامات فعالة في التاريخ الدولة العلية العثمانية ، خلع سنة (1876م) وما لبث أن مات إغتيالاً ، ومدة حكمه 15 سنة . (ينظر : قاموس المنجد الهادي ، ص1414) .
)) – عبد الحميد بن عبد المجيد السلطان العثماني الرابع والثلاثون ، ولد سنة (1842م) من أكثرهم وأشهرهم حنكة ودهاء ، تولى الخلافة بعد عزل أخيه مراد ، سنة(1876م) ، وخلع عام (1909م) ، توفي سنة (1918م) . (ينظر : قاموس المنجد الهادي ، ص 1413) .

)) – تيه ورشاد من القابلية للاستعمار إلى القابلية للرشد نحو نموذج بديل : الدكتور محمد بابا عمي ، دار الفكر ، دمشق ، ط1 ، 1437-2016 ، ص 47 – 50 .
)) – المصدر السابق، ص 52 .

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...