تايوان جزء من الصين وواشنطن تنتهك القانون الدولي

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

 

عائشة البصري

 

 

 

تبدو الصين مصمّمة أكثر من أي وقت مضى على “إعادة توحيد” البلاد ومنع “انفصال تايوان” عنها، فيما تتحدّث تايوان عن اقتراب خطر “الغزو الصيني”، ويلوّح بعض قادتها باقتراب موعد إعلان “استقلالها”، بما يوحي أنها ترزح تحت الاحتلال الصيني. ورغم اعترافها الضمني بسيادة الصين على تايوان، تتعهّد واشنطن وطوكيو وسيدني بالدفاع عن جزيرةٍ يحيط بها الإبهام من كل جهة، إذ إنها ليست دولةً مستقلة، ولم تطالب يوماً بالاستقلال، ويدّعي دستورها أنها تحكم كل شبر من برّ الصين الرئيسي. أزمة تايوان تبدو شديدة التعقيد، رغم أن القانون الدولي يوحي بعكس ذلك.

يعود تاريخ الاحتكاك بين واشنطن والصين بشأن تايوان إلى الحرب الأهلية التي اندلعت في الصين عقب الحرب العالمية الثانية، وانتهت بانتصار قوات ماو تسي تونغ الشيوعية على قوات الزعيم تشانغ كاي شيك، القومية. هرب تشانغ ومن بقوا من حكومة الكومينتانغ ومناصريها إلى جزيرة تايوان في عام 1949، واتخذوها مقرّاً لحكومة ما زالوا يطلقون عليها اسم “جمهورية الصين”، بينما بسط الشيوعيون المنتصرون حكمهم على الصين باسم “جمهورية الصين الشعبية”.

خلال الحرب الباردة، وقفت أميركا في وجه الصين الشيوعية، واصطفّت إلى جانب جمهورية الصين المنهزمة في تايوان ومكّنتها من الاحتفاظ بمقعد الصين في الأمم المتحدة، بما في ذلك المقعد الدائم في مجلس الأمن. استمر هذا الوضع أزيد من 22 عاماً، إلى أن اعتمدت الجمعية العامة القرار 2758 في عام 1971، وأقرّت بأنها تعترف بجمهورية الصين الشعبية بصفتها الممثل الشرعي الوحيد للصين لدى الأمم المتحدة، و”تطرُد ممثلي تشان كاي تشيك فوراً من المكان الذي يشغلونه بصفة غير مشروعة في الأمم المتحدة، وفي جميع المنظمات المتصلة بها”.

لا توجد سوى دولة صين واحدة ذات سيادة تشمل كلاً من برّ الصين الرئيسي وتايوان

صوّتت أميركا وأستراليا ضد القرار، وانتظرت واشنطن أزيد من ثماني سنوات قبل اعترافها بجمهورية الصين الشعبية ممثلاً شرعياً للصين بناءً على مبدأ “الصين الواحدة”، ومفاده أنه لا توجد سوى دولة صين واحدة ذات سيادة تشمل كلاً من برّ الصين الرئيسي وتايوان. سحبت أميركا اعترافها بجمهورية الصين، وسحبت قواتها من تايوان، وألغت معاهدة الدفاع التي كانت تجمعهما. ونظراً إلى الأهمية الجيو-استراتيجية التي يكتسيها مضيق تايوان، انتهجت واشنطن سياسةً تنسف ضمنياً اتفاقها مع الصين، إذ صدّق الكونغرس على “قانون العلاقات مع تايوان” (1979) الذي سمح لأميركا بالاحتفاظ بالحق في “مقاومة أي قوة أو إكراه من شأنه أن يعرّض تايوان للخطر”. وبينما وضعت واشنطن حدّاً لعلاقاتها الرسمية مع تايوان، أضفى هذا القانون طابعاً رسمياً على علاقة أميركا “غير الرسمية والثقافية والاجتماعية” بتايوان، فسمح بإنشاء المعهد الأميركي، الذي يشكّل في الواقع سفارة أميركية في الجزيرة.

وزاد الرئيس رونالد ريغان على القانون ستّ ضمانات لتايوان، بأن أميركا لم تُغير موقفها تجاه “السيادة على تايوان”، وأنها لم تتفق مع جمهورية الصين الشعبية بشأن تحديد تاريخ إنهاء تسليح تايوان. ما تعرف بسياسة “الغموض الاستراتيجي” هي في الواقع سياسة الخداع الرسمي التي سمحت لأميركا باللّعب على الحبلين عقوداً، إذ مضت تقوّي علاقاتها الاقتصادية بالصين من جهة، وتعيد -في الوقت ذاته- تشكيل تايوان سياسياً واقتصادياً وعسكرياً على نحوٍ يدفعها نحو خوض حرب انفصال عن الصين، متى قرّرت واشنطن ذلك.

في الآونة الأخيرة، بدأ التوتر بين الصين وأميركا وحلفائها الإقليميين يتّخذ شكل نزاع بشأن مضيق تايوان، إذ تُشدّد الصين على سيادتها على المضيق، وعلى كون ممرّه المائي الذي يستقبل ثلث التجارة البحرية العالمية يقع داخل المياه الإقليمية الصينية والمنطقة الاقتصادية الخالصة على النحو المحدّد في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)، التي تحدّد الإطار القانوني المتكامل لآلية الاستفادة من مياه البحار والمحيطات في العالم. في المقابل، تصرّ كل من واشنطن وسيدني وطوكيو على أن معظم مجال مضيق تايوان يشكل “مياهاً دولية”، وأنهم يرسلون سفناً بحرية عبره كجزء من تدريبات حرية الملاحة فيها، وتدعم هذا الموقف مجموعة السبع التي أصدر وزراء خارجيتها قبل بضعة أيام بياناً “يؤكّد التزامهم الحفاظ على النظام الدولي القائم على القواعد والسلام والاستقرار عبر مضيق تايوان وخارجه”.

لم تعلن جزيرة تايوان يوماً قيام دولة، ولا يتعامل معها المجتمع الدولي، بما فيه واشنطن، على أنها دولة

حين يتعلق الأمر بمضيق تايوان والوضع القانوني للجزيرة، يتفادى الحلف الغربي الحديث عن النظام القائم على القانون الدولي، مفضّلاً الحديث عن النظام القائم على القواعد، من دون تحديد هذه القواعد ومن بلورها واتفق عليها. في ظل سياسة نظام القطب الواحد منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، تدهورت سيادة القانون الدولي، لتفسح المجال أمام قواعد هيمنة أحادية تسعى واشنطن لفرضها عبر العالم، بقوة السلاح الاقتصادي والعسكري إذا اقتضى الأمر. فعبارة “المياه الدولية” التي يردّدها الغرب غير واردة في اتفاقية قانون البحار الدولية التي ترفض واشنطن الانضمام إليها، ولا أساس لها إلا في قواعد واشنطن وحلفائها. فالقانون الدولي يزكّي موقف بكين القانوني، لأن جزءاً كبيراً من مضيق تايوان يقع داخل المنطقة الاقتصادية الخالصة للصين، بما فيها تايوان، ما يجعلها تتمتّع بالسيادة والولاية القضائية على مياهه، مع احترام الحقوق المشروعة والمحدودة للدول الأخرى في هذه المياه.

ولو كانت أميركا واليابان وأستراليا تحترم القانون الدولي، لما لوّحت بالدفاع عن تايوان أيضاً، فالمادة الـ51 من ميثاق الأمم المتحدة جد واضحة بهذا الشأن، وتنصّ على أن الدّول، والدّول فقط، فرادى أو جماعات، هي التي تتمتع بالحق الطبيعي في الدفاع عن النفس إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة، فبأي حق وعلى أساس أي قانون تتدخل واشنطن في شؤون الصين وتايوانها؟ فالجزيرة لم تعلن يوماً قيام دولة، ولا يتعامل معها المجتمع الدولي، بما فيه واشنطن، على أنها دولة، باستثناء 14 دويلة، بل يعتبرها جزءاً من الصين. ولأنها ليست دولة عضواً في الأمم المتحدة، لم يتردّد الأمين العام الراحل كوفي عنان بوصفها “إقليماً صينياً”.

تفتقر واشنطن وحلفاؤها إلى أي أساس قانوني للدفاع عن جزيرةٍ لا تتمتع بوضع دولةٍ حسب القانون الدولي، في وقتٍ ما زالت تردّد التزامها الرسمي تجاه مبدأ الصين الواحدة. وإذا أصرّت على الدخول في حربٍ إلى جانب تايوان، وإنْ كانت حرباً بالوكالة كما دأبت عليه سياساتها الجديدة، فستشن بذلك حرب عدوانٍ على سيادة الصين، وستكون خارجة عن القانون الدولي الذي لا يبيح حروباً من أجل “الدفاع عن الحرية والديمقراطية”، الأكذوبة التي لجأت إليها في عدوانها على العراق.

تفتقر واشنطن وحلفاؤها إلى أي أساس قانوني للدفاع عن جزيرةٍ لا تتمتع بوضع دولةٍ حسب القانون الدولي

حديث وسائل الإعلام الغربية عن خطر “الغزو الصيني” و”ضمّ” الصين تايوان لا يأخذ بالاعتبار الوضع القانوني للجزيرة، فإن أصرّت تايوان على المواجهة العسكرية، برعاية واشنطن، لن يعتبر استخدام الصين القوة للسيطرة على تايوان غزواً، بل ممارسة لحق السيادة داخل أراضيها، للحيلولة دون انفصال جزءٍ منها. سيكون حينها دفاع الصين عن تايوان شبيهاً بأوكرانيا، وحقّها في الدفاع عن أقاليمها الشرقية ضد الانفصاليين الموالين لروسيا. وحسب مبدأ سيادة الصين على تايوان، فإن مبيعات الأسلحة الأميركية الحالية للأخيرة غير مشروعة أيضاً، ولا تقل انتهاكاً للقانون الدولي عن تزويد روسيا الانفصاليين الأوكرانيين بالأسلحة في منطقة الدونباس. ولكن، على عكس موقف روسيا في أوكرانيا، يقف القانون الدولي إلى جانب الصين، بينما سيعتبر أي تحرّك غربي ضدّها حرب عدوان ليس إلا.

الواضح أنه حين لا يخدم القانون الدولي مساعي الغرب المتأمرك، يُكثر حديثه عن القواعد، القواعد ذاتها التي تحاول الصين وروسيا كسرها منذ تأسيسهما مجموعة بريكس في عام 2009، ومحاربتهما هيمنة الدولار على التجارة الدولية، حتى تراجَع نصيب احتياطيات الدولار لدى البنوك المركزية في العالم إلى 59%، في أدنى مستوىً له على مدار 25 عاماً. وقد تُغيّر الصين قواعد اللّعبة التي ما زالت تتحكّم فيها أميركا، إذا استطاعت بسط سيطرتها على تايوان التي تستحوذ على صناعة الرقائق الإلكترونية الأكثر تطوّراً في العالم، وإذا مضت في إنجاز مشروع “الطريق والحزام” بحلول 2035، الذي سيجعلها محوراً للعلاقات الاقتصادية العالمية دون منازع. ستعمل واشنطن كل ما في وسعها لقطع الطريق على صعود الصين، وإن اقتضى الأمر فرض عقوباتٍ اقتصادية تضرّ العالم بأسره، وما أزمة تايوان إلا بداية مواجهة بلا رحمة بين التنّين والعم سام.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...