أردوغان.. ولعبة “خلف الجدار” !

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

فاديا مطر

 

 

 

– منذ التدخل التركي في الحرب على سوريا و حتى اللحظة ، يقوم حزب العدالة و التنمية بتصعيد عسكري وسياسي غير مسبوق تجاه دمشق ، ليس إنغماساً بالحرب عليها فقط لمصلحة داخلية و خارجية ترضي أطراف حلفائه ، بل لمطامع كبيرة حملتها الأجندة التركية في المنطقة ، فالسياسة التي كان يتفاخر بها رئيس النظام التركي بصفر مشاكل أدت في مجملها إلى تكريس السلوك العدواني تجاه دمشق و حلفاؤها في أزمة الحرب عليها وصولاً الى تنفيذ الأجندة الغربية بطريقة معاداة صديق الصديق ، لكن العملية الروسية الخاصة التي أدارتها موسكو في أوكرانيا و تعددت خيوط إمتداداتها كشفت الجدار الذي يتوارى خلفه أردوغان على مدى أكثر من عقد تجاه تحالفات موسكو في المنطقة ، و قد بدأ الضعف السياسي في الداخل التركي يتوضح مع زيادة التوتر الداخلي السياسي و الإقتصادي و زيادة معدلات التضخم التي وصلت الى ما يقارب 80% على السوق الداخلية ، فاللعبة التركية من خلف جدار الأزمات جعلت الرئيس التركي مثيراً لداومة سياسية و عسكرية يبتغي من خلالها الحصول على تنازلات من موسكو و واشنطن معاً بالإضافة للحلفاء المضافين في الناتو لخلط الأوراق في الشريط الحدودي الشمالي لسوريا و شرق المتوسط برغم التداولات الإعلامية نحو تقاري سوري-تركي حصل في بلغراد إبان زيارة وزير الخارجية السوري و التركي و لقاء حصل خارج الإعلان الرسمي ، إلا أن عودة ملف الإحتدام مع المليشيات الكردية و صفقة الطائرات الأمريكية للواجهة في هذه اللحظة تثبت أن الرئيس التركي مازال يلعب لعبة “خلف الجدار” مع كل من حلفائه الشرقيين و الغربيين بما يتناسب مع نظرته في إعادة ترسيم حدود الإمبراطورية برغم ضخامة هذه اللعبة و خطورتها على تركيا بمختلف النواحي ، حيث تصور تركيا سياستها تجاه الوجود الكردي بالقرب من حدودها الجنوبية على أنه جزء من الطموحات الكردية الإنفصالية تلاقي فيها دمشق من جهة و تضغط فيها على واشنطن في المنطقة من جهة آخرى ، و هو ما جعل التعديل التركي تجاه دمشق مسبوق بخطوات متدرجة منذ لقاء اردوغان بالرئيس الروسي بوتين في 5 آب الجاري و ما حملته من خطوات لاحقة تخدم الإستدارة التركية ، فالآخيرة راكمت خطوات متقدمة مع سوريا تبدو من جهة ضاغطة على رئيس حزب المستقبل أحمد داوود اوغلو الذي ينتمي بمواقفه للخطوات الأمريكية و الإسرائيلية في المنطقة ، وهي خطوة لم تشرعنها واشنطن لاردوغان حتى اللحظة و لو على حساب مشروع داوود اوغلو المشرفة عليه واشنطن و تل ابيب في الشريط الحدودي الشمالي السوري بحسب ما ذكرته الصحف التركية مؤخراً ، و من جهة ثانية ترى تركيا الإخوانية نفسها فيها كزعامة دينية و سياسية تضمن بقاء اردوغان في السلطة و تلاقي فيها حزب الشعب الجمهوري المعارض في نقطة العلاقة مع سوريا ، و الذي بدوره يعارض فكر التيار السياسي لحزب المستقبل ، و الذي ذكر في عدة مناسبات توسع الفارق السياسي مع كمال كيليشدار اوغلو في حال وصوله للسلطة مستقبلاً ، فخلق الإضطرابات السياسية و الحزبية في تركيا إن كانت بمسببات داخلية أو خارجية يحاول حزب العدالة و التنمية إعادة تدويرها في خضم التطورات العالمية الحاصلة بعد العملية الروسية و التوتر القائم مع معسكر الصين ، و هو ما يدعمه صديق اردوغان “دولت باهتشلي” زعيم الحركة القومية التركي و يلاقيه في منتصف الطريق لفتح علاقة مع دمشق لكونها السبيل الوحيد لتحقيق المسعى التركي على كل المستويات و التطورات ، لكن تركيا الغير مستعجلة “ظاهرياً” في الإنفتاح على دمشق مازالت تلعب في الخفاء لردم الهوة الأخيرة مع روسيا و التي ستكون المتحدي الأكبر على المدى القريب في حال عودة اردوغان للسلطة بعد الإنتخابات المقبلة ، و هو ما تصنفه روسيا في خانة القلق فيما إذا آدت لعبة خلف الجدار التركية الى فشل التقارب مع دمشق فيما إذا حاولت تركيا مجدداً إعادة منطق شرعنة ما يسمى الإئتلاف السوري المعارض و التكتل المليشيوي للواجهة السياسية كممثل وحيد بحسب زعمها عن المعارضة ، و إعتباره شرطاً وحيداً للدخول في،مفاوضات مع دمشق مقابل إنسحابات عسكرية محدودة من الشمال السوري ، فهو مبدأ مازالت دمشق ترفض طرحه و حتى التداول فيه ، فيما الوضع الأوروبي و الأمريكي حتى الآن قيد الترنح خصوصاً لما يمكن أن يحدث في الإنتخابات النصفية الأمريكية المقبلة ، و ما يمكن أن يسجله الإنضغاط الأوروبي في أعلى مستوياته في الشتاء القادم و يضع العراقيل التي تضغط على روسيا في العجلة التركية-السورية لإفشال أي تقدم مقابل الحصول على تراجعات روسية في قطب الطاقة بإعتبار تركيا دولة أطلسية قد يتم التلاعب بها كجزء جيوسياسي مهم لكل من روسيا و إيران و دمشق ، لكن اردوغان اللاعب الذي لم ينضم لحملة العقوبات على روسيا من جهة و الغير مستعد لمواجهة عسكرية مع واشنطن من جهة آخرى مازال يحاول التوازن على ضفتي الصراع خصوصاً بعد التعاون الإقتصادي مع موسكو المتمثل في قبوله سداد مدفوعات الغاز الطبيعي الروسي لروسيا بالروبل ، و هو ما إستنكرته دول حلف الناتو كخطوة “غير بناءة ” في معادلة الصراع الذي وضعت فيه روسيا العقيدة الدفاعية البحرية التي رسمت شرق المتوسط و البحر الأسود كحدود حيوية للمجال لروسي الذي يعتبر وجوده في سوريا من ضمن الأمن الإستراتيجي ، وهذا ما يجعل من لعبة تركيا خلف جدار الخلافات قابلة للسقوط عليها في أي لحظة قد يتطور فيها الفارق العسكري ما بين موسكو و الغرب أو ما بين دمشق و أنقرة و يصبح إعادة بناء جدار آخر ضرب من الجنون في معادلة الجدران الدولية التي كسرت الكثير من طرق التوصل الى حل .

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...