الدكتور محمد الفقيه
عقوبة الرجم من القضايا التي يدور حولها الجدل بين مثبت وناف لها ، فكل فريق يقدم أدلته لإثبات ما ذهب إليه من رأي وسأحاول أن أتناول هذا الموضوع بموضوعية ما استطعت إلى ذلك سبيلا، وسأبدأ بمناقشة أدلة القائلين بأن حد الرجم هو حد من الحدود التي ثبت بالأدلة الشرعية.
الدليل الأول : أن عقوبة الزاني المحصن الرجم حتى الموت بدليل الآية القرآنية المنسوخة التلاوة دون الحكم والآية المنسوخة التلاوة هي :
قال تعالى : الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم.
تأملات في الآية المزعومة
أولا: تخلو ألآية القرآنية من أي وجه من وجوه الإعجاز بل هي مخالفة للنسق القرآني من عدة وجوه منها.
1- من حيث التقديم والتأخير ، فقد جاء النسق القرآني حينما تناول موضوع الزنا بتقديم الزانية على الزاني فقال تعالى : الزانية والزاني …. وهذا له دلالة بلاغية وقف عليها أصحاب اللغة طويلا ، بينما في الآية المزعومة قدم الزاني على الزانية فجاءت الاية المنسوخة الشيخ والشيخة …..وهذا مخالف تماما للإعجاز البلاغي في القرآن .
2-استعمال لفظ الشيخة للمرأة الكبيرة بالسن ، فالقرآن الكريم لم يستعمل هذا اللفظ بتاتا بل استعمل لفظا آخر للتعبير عن المرآة الكبيرة بالسن وهو لفظ عجوز … عجوزا في الغابرين .
3-لفظ الشيخ والشيخة كل ما يمكن أن يدل عليه هذا اللفظ هو الكبر في السن ، فليس بالضرورة أن يكون كبير السن متزوجا ، ومن الممكن أن يكون صغير السن متزوج، فعقوبة الزنا هنا ارتبطت بشيخوخة الإنسان وليس بموضوع الزواج والإحصان .
4-إن الزعم بأن هذه الآية المنسوخة التلاوة كانت من آيات سورة الأحزاب يدفعنا أن نجزم جزما قاطعا بأنها ليست من سورة الأحزاب فعند قراءة سورة الأحزاب تجد أن كل آياتها تنتهي على النحو الآتي :حكيما، خبيرا، وكيلا، رحيما يسيرا، فما بال هذه الآية المزعومة هي الوحيدة التي جاءت بهذه الصورة النشاز. .. الشيخ والشيخة اذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم.
5- إن الآية المزعومة لم يتفق المروجون لها على صيغة معينة فجاءت بثلاثة صيغ على النحو الآتي :
الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم .
الشيخ والشيخة فارجموهما البتة بـما قضيا من اللذة .
إن الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة .
وهذا الاضطراب في الروايات يجعلنا نقطع بعدم التصديق بأنها آية من آيات القرآن الكريم.
6-ومن المؤسف حقا أن تحمل الروايات لنا أن هذه الآية وغيرها من الآيات المنسوخة تلاوتها قد أكلها الداجن ، فقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها
قالت : لقد نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشرا ولقد كان في صحيفة تحت سريري فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وتشاغلنا بموته دخل داجن فأكلها.
7- وأخيرا الزعم بأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لولا أن يقول الناس
زاد عمر في كتاب الله لكتبت آية الرجم بيدي هل حقا خوف عمر من الناس هو الذي منعه من كتابة هذه الآية في كتاب الله؟
وهل حقا كان من السهولة والبساطة الإضافة إلى كتاب الله والمحو فيه ؟
ومن الأدلة الواضحة البينة على حكم الزنا قوله تعالى( ‘الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)’ [سورة النور] ….) والحكم هو الجلد مئة جلده ولم يفرق النص بحكمه بين المحصن وغير المحصن..فهما سواء.
ومن الادلة الظاهرة على أن حكم الزنا الجلد فقط الآية التي تشير بشكل واضح الى حكم الأمة في حال ارتكابها الزنا فرتب عليها عقوبة نصف ما على الحرائر من العقوبة فقال تعالى : (فإذ أُحصِنَّ فإن أتينَ بفاحشة فعليهنَّ نِصفُ ما على المحصنات من العذاب..سورة النساء ايه ٢٥) فهل اذا كان حد الزنا هو الرجم فكيف سنطبق العقوبه وهل نستطيع ان نطبق الرجم بنصفه وهل لحد الرجم تنصيف؟؟؟؟
أما بخصوص الوقائع التي تشير أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد طبق حد الرجم على الزناة المحصنين فربما أنها حدثت ولكنها طبقت قبل نزول آية الجلد .
جاء في صحيح البخاري ( 6335 )
حَدَّثَنَا ……. سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى عَنْ الرَّجْمِ فَقَالَ رَجَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ أَقَبْلَ النُّورِ أَمْ بَعْدَهُ قَالَ لَا أَدْرِي …….
والسؤال الذي يطرح نفسه أيهما الاولى بالتطبيق حكم نُسخ نصه وبقي حُكمه كما يًُدّعى ام حكم نصه موجود وحكمه موجود .؟
حقا كم نحن بحاجة إلى إعادة النظر بكثير من الأمور التي حملتها لنا كتب التفسير وكتب الفقه .
وكم نحن بحاجة إلى إعادة القداسة إلى كتاب الله وأن نجعله المعيار الوحيد في قبول الأحكام والروايات أو ردها .





