ما بين إنسان الفاعلية وإنسان الانتظارية..

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

* الدكتور شنفار عبدالله

 

 

 

في تمييز إنسان الفاعلية من إنسان الانتظارية والقوى الحية من القوى الجامدة والراكدة؛ ننطلق من قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعض دَرَجَاتٍ.) ولعل من المفاهيم المربكة في العقل العربي // الإسلامي؛ الذي لا يتمتع بدرجة عالية من العقلانية؛ حيث تنعدم فيه الفاعلية؛ حيث تسود حالة من الجمود والانتهازية؛ لما نصنف الأشخاص إلى فئات فنقول: الأشخاص والقوى الفاعلة والفاعلون؛ والأشخاص الجامدين والقوى الذين ينتظرون ما ينتجه الآخرون أو ما ينتج عن ريع الأرض أو حدوث معجزات لتغيير أحوالها!

فكل يوم نكتشف حجم ونسبة مساحة التصحر الفكري التي يحتلها الغباء في بعض العقول؛ والتي تعادل نسبة المساحة التي ضربها الجفاف من الكرة الأرضية.
وبالتالي فإن استئصال الوعي المزيَّف من جذوره؛ هو إحدى المقدمات الصحيحة لبناء المجتمعات الحديثة ذات العقلانية والفاعلية.

يقسم الأشخاص عادة إلى الفئات التالية:

• أولًا: صُنَّاع ﺍﻟﺤﺪﺙ؛ (المبادرون).
• ثانيًا: الفاعلون ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺪﺙ؛ (صُنَّاع القرارات).
• ثالثًا: ﺃﺻﺤﺎﺏ ردود ﺍﻟﻔﻌﻞ؛ وهم إما:
⁃ مؤيدون؛
⁃ أو معارضون؛
⁃ أو غير مبالين؛

هذا؛ وﻟﺼﻨﺎﻋﺔ أﻱ ﺣﺪﺙ؛ ﻳﺒﺪﺃ ﺃﺻﺤﺎﺏ ﺍلفئة الأﻭﻟﻰ: أي (ﺍﻟﻤﺒﺎﺩﺭﻭﻥ). ﺛﻢ ﻳﻨﻀﻢ إليهم ﺃﺻﺤﺎﺏ ﺍلفئة ﺍﻟﺜﺎنية أي (ﺍﻟﻔﺎﻋﻠﻮﻥ). ﺛﻢ ﻳﻠﻴﻬﻢ أﺻﺤﺎﺏ ﺍلفئة ﺍﻟﺜﺎلثة أي (ﺍلإﻧﻔﻌﺎﻟﻴﻮﻥ).

لكن ﻛﻴﻒ ﺗﻘﻀﻲ ﻛﻞ فئه من هذه الفئات أوقاتها؟
تقضي الفئة الأﻭﻟﻰ ﻣﻌﻈﻢ ﻭﻗﺘﻬﺎ ﻓﻲ: التعلم؛ والتدريب؛ وﺍﻟﺘﺨﻄﻴﻂ؛ وﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ؛ وتغرق في ﺍﻟﺘﻔﻜﻴﺮ الإجرائي وﺍﻷﺑﺤﺎﺙ؛ وﺍﻟﺘﻄﻮﻳﺮ؛ والإبداع والابتكار وﺍﻟﺘﻮﻇﻴﻒ؛ وﺍﻟﺘﺄﺛﻴﺮ؛ والتطلع إلى إﻣﺘﻼﻙ ﻣﺼﺎﺩﺭ ﺍﻟﻘﻮة؛
أما الفئة ﺍﻟﺜﺎنية؛ فتقضي وقتها ﻓﻲ: ﺍﻟﻌﻤﻞ؛ وﺍﻟﺘﺪﺭﻳﺐ؛ وقراءة الأحداث؛ والتفكير والتخطيط الاستراتيجي والتوقعات والتموقعات؛ والتعايش مع الأحداث ودراسة الواقع؛ والاستعداد للتغيير والانتقال إلى الأفضل.

في حين ﺗﻘﻀﻲ الفئة ﺍﻟﺜﺎلثة معظم ﻭﻗﺘﻬﺎ ﻓﻲ: تتبع وسائل الإلهاء؛ كمشاهدة ﺍﻟﺘﻠﻔﺰﻳﻮﻥ؛ وتتبع مواقع التواصل ﺍلإﺟﺘﻤﺎﻋﻲ؛ وﺍﻟﺠﺪال العقيم، وتشجيع الفرق الرياضية؛ والإسراف في الإنفاق وﺍلإﺳﺘﻬﻼﻙ المتوحش، وﺍﻟﺘﺴﻮﻕ، والتبضع ومحاولة إحباط الآخرين والتبخيس ونشر الفكر العدمي والانتقادات؛ جهازهم المعرفي، مصمم ليفكروا به، لا ليتفكروا فيه. وبالتالي لم يخضعوه لمحاكمة موضوعية أبدًا. وهكذا يتقادم تفكيرهم ويزول دون أن يشعروا بعجزهم المتعدد الأبعاد.

⁃ الفئة ﺍلأﻭﻟﻰ ﻏﺎﻟﺒﺎً هم: ﻋﻠﻤﺎﺀ، أساتذة، مدربين، ﺑﺎحثين، ﻣﺨﺘﺮعين، أﺻﺤﺎﺏ أﻋﻤﺎﻝ، ﻣﺴﺘﺜﻤﺮين أو مشاركين في أعمال استثمارية.

• ومن صفاتهم إنهم:
ﻣﺒﺎﺩﺭﻭﻥ في صناعة الأحداث ﺑﺸﻜﻞ ﻋﺎﻡ. وﻟﻬﻢ ﺃﻫﺪﺍﻑ ﻃﻮﻳﻠﺔ ﺍﻷﻣﺪ، وﻟﺪﻳﻬﻢ ﻏﺮﺽ وهدف ﻣﻦ الحياة ويحملون رسالة في حياتهم. وﺗﺤﺮﻛﻬﻢ ﻗﻨﺎﻋﺎﺗﻬﻢ ﻭﺃﻫﺪﺍﻓﻬﻢ التي تكون إما: ﺑﻌﻴﺪة أو متوسطة أو ﻗﺼﻴﺮﺓ ﺍﻷﻣﺪ.
⁃ الفئة ﺍﻟﺜﺎنية ﻫﻢ أشخاص:
ﻣﺤﺘﺮﻓﻮﻥ في أعمالهم، وموظفون منضبطين، ومحافظين على أوقاتهم،
• من بعض صفاتهم أنهم:
يتفاعلون مع الأحداث التي يصنعها أصحاب الفئة الأولى؛ وﻟﻬﻢ ﺃﻫﺪﺍﻑ ﻗﺼﻴﺮﺓ ﺍﻷﻣﺪ؛ ﻣﺮتبطة ﻏﺎﻟﺒﺎً ﺑﺎلمصلحة ﺍﻟﻤﺒﺎﺷﺮة؛ ويحققون توقعاتهم أكثر من أحلامهم.

⁃ أﻣﺎ الفئة ﺍﻟﺜﺎلثة ﻓﻬﻢ:
ﻣﺴﺘﻬﻠﻜﻮﻥ، تظهر عليهم علامة الإسراف والإهمال، ويكثرون من الجدال والنقاشات غير المجدية، ويتعصبون لآرائهم وميولاتهم وقناعاتهم الشخصية، وﻋﺎﻃﻠﻮﻥ في معظم أوقات اليوم. وبداخلهم توجد ثلاث فئات:
⁃ 1) فئة تنظر للمتفق عليه وتوسع من دائرته؛ ولسان حالها يقول: الحمد لله وجدت نقطة التقاء لأَبْني عليها الخير!
⁃ 2) وفئة أخرى تبحث عن أي نقطة خلاف، لتوسع من حالة الشد والجذب؛ فتخسر بها كل ما تجده.
⁃ وفئة سلبية لا تبالي بما يدور حولها؛ حيث بسكوتها لا نستطيع إثبات أو نفي أو الحكم على موقفها الغير المعبر عنه.

• من صفاتهم أنهم:
إنفعاليون، ﻟﻴﺲ ﻟﺪﻳﻬﻢ أهداف ﻭﺍضحة أو محددة المعالم، يكون همهم الوحيد هو انتقاد الأشخاص الناجحين. وهم أقرب إلى أصحاب “الكتب الدفاعية” التي أشبه بالمنشورات الأيديولوجية وكتب المناقب التي تفترض أن الدنيا ستنهار لو اعترف صاحبها بخلل أفكاره الأيديولوجية أو نسبية القيم عند الإنسان؛ وفي هذه الحالة يبقى كل ما على المدافع أن يفعله؛ هو أن يصر على تأكيد سلامة ما يحمله من أفكار؛ وإثبات وتجسيد الخلل في ضمائر المعترضين له.
يقول تبارك وتعالى:(رَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ.)

ﺗﺬﻛﺮ أنك ﺗﺴﺘﻄﻴﻊ دائمًا، ﺃﻥ ﺗﻐﻴﺮ من مسارات ﺣﻴﺎﺗﻚ ومجتمعك عبر مسلسل الافكار والصبر والتراكم والاحتشاد والتحدي والتفاعل مع الآخرين بكل إيجابية، والتسلح بالأمل لتجاوز حالة الإحباط.
وبالتالي الانتقال من الفئة الأخيرة إلى مرتبة الفئة الثانية أو حتى مرتبة الفئة الأولى في كل وقت وحين.

* مفكر وراصد اجتماعي وسياسي واقتصادي مغربي

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...