بقلم .. عمر الطيبي
اذا ما تجاوزنا ردود الفعل الاولى التي خلفتها “صدمة” استقبال الانقلابي قيس سعيد لنظيره الانفصالي ابراهيم غالي واقامة “عرس بغل” (1) على شرفه تحت غطاء قمة اليابان والدول الافريقية (تيكاد)، فان قفزة البهلوان التي قام بها سعيد على هامش هذا المؤتمر لن يكون لها تأثير مباشر على قضية الصحراء المغربية، فقد سبق لسعيد أن جرب لعب دور أكبر من حجمه الحقيقي في الامم المتحدة عندما امتنع عن التصويت، وكما لو كان في نفس موقع روسيا الاتحادية، على مشروع قرار مجلس الامن رقم 2602 المتعلق بالصحراء، فلم يجن من وراء ذلك سوى الخيبة وسخرية المراقبين الدوليين، بينما كرس القرار الاممي مكتسبات المغرب في صحرائه وعلى رأسها تبني مقترحه القاضي بمنح مواطنيه الصحراويين حكما ذاتيا موسعا، لكن رغم ذلك يمكن القول أن ارتماء سعيد في احضان نظام العسكر من خلال اعترافه الضمني بكيانه التندوفي الوهمي، من شأنه التأثير سلبا على موازين القوى الهشة القائمة بين دول المنطقة منذ عقود.
يصر غوغاء اعلام قيس سعيد على تحريف الموضوع وقلب حقيقته رأسا على عقب، من خلال تحميل مسؤولية ما حدث للمغرب، واتهامه بالسعي لافشال المؤتمر الياباني الافريقي “حسدا منه ومنافسة غير شريفة” لبلدهم على المائدة التي نزلت على قيس سعيد من سماء بلاد الشمس المشرقة، أو هكذا يزعمون، وهم في جميع الاحوال يبررون استقبال سعيد لابن بطوش استقبال الرؤساء، بفرية كون ملك المغرب نفسه “يجلس معه داخل الاتحاد الافريقي”، لكنهم وبمجرد ما تجادلهم في الامر، ينكرون تأسيا بمعلميهم في مادة النفاق القومي من أصحاب مقولة “ظالمة ومظلومة”، أن يكون جلوس قادتهم وممثليهم مع قادة اسرائيل وممثليها في الامم المتحدة وفي سائر المحافل الدولية، منذ أيام الراحلة “اللاءات الثلاث”، بمثابة اعتراف بالكيان الصهيوني، وقس على ذلك من هذه الافتراءات وقلب الحقائق، المستعار قاموسها في غالب الاحيان من لغة المجاري المستعملة من طرف اعلام نظام العسكر وذبابه الالكتروني في حق المغرب.
أما الحقيقة التي لا مراء فيها فتقتضي من المحلل النزيه التفتيش عن الدوافع والمسوغات التي أدت بسعيد لارتكاب هذا الخطأ الاستراتيجي الفادح في حق الشعوب المغاربية كلها وفي المقدمة منها الشعب التونسي الشقيق، كما البحث في احتمالات ما يمكن أن ينجم عن هذا الفعل الطائش واللامسؤول من سلبيات خطيرة على مستقبل العلاقات بين الدول المغاربية، ضمن، وفي : حالة الافلاس الشامل والتام، التي أوصل قيس سعيد بلاده اليها على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، واضطراره في نهاية المطاف لبيع استقلال تونس وسيادتها لنظام العسكر الجزائري بالتقسيط، وليس خارج هذا الاطار.
لقد نفذ سعيد الأجندا التي كلفته بها القوى الأجنبية، الواقفة وراء استيلائه على السلطة بحذافيرها، بحيث قضى تماما على اية امكانية لان تتحول “ثورة الياسمين” لنموذج يحتدى به في المنطقة العربية، وأطاح بالوجود السياسي للاسلام الاخواني، والغى كل مكتسبات الثورة وما افرزته من تعددية سياسية وحرية تعبير وحقوق انسان وفصل بين السلط، وحطم الطبقة الوسطى وأفقرها، وأبعد النخبة المثقفة المتنورة والاعلاميين المهنيين من مواقع الفعل والتأثير، لصالح فئة من الرعاع والجهلة والمتملقين، ثم كرس كل ذلك بالغاء دستور الثورة، وتعويضه بفرمان لا يمت لروح العصر بصلة، واذ يفترض أن يؤدي “الاصلاح السياسي”، على غرار ما انتهت اليه تجارب اصلاحية أخرى في بلاد الله الواسعة الى تحسين الاحوال الاقتصادية والاجتماعية للشعب المستهدف، فانه ادى في حالة تونس، وبسبب النهج الاستبدادي لقيس سعيد وعمالته للقوى الاجنبية، وعلى العكس من ذلك، الى حالة افلاس سياسي واقتصادي واجتماعي شامل لدرجة أصبح معها وجود الدولة التونسية في حد ذاته مهددا بالزوال.
هكذا تجاوز حجم المديونية الخارجية عتبة 41 مليار دولار (ما يقدر بنحو 102 في المائة من الناتج الداخلي الخام)، ونضبت موارد الانفاق الحكومي، وبلغ حجم التضخم أرقاما غير مسبوقة، وتراجعت قيمة الدينار الى أقصى حد، ومما زاد الطين بلة امتناع المؤسسات المالية الدولية والمانحين الاجانب عن تلبية طلبات الحكومة المتكررة بمنحها مزيدا من القروض والمساعدات، وعجزت الخزينة عن دفع رواتب الموظفين، وتفاقمت مشاكل البطالة والمرض وتفشى الاجرام، ونفذ مخزون المواد الغذائية الاساسية من قمح وسكر وزيت .. لدرجة اصبح البلد معها مهددا بالمجاعة، ولعل مما أضفى طابعا دراماتيكيا على هذه الاوضاع الكارثية هو تراجع الادارة الامريكية مؤخرا عن تقديم مساعدة مالية للحكومة بقيمة 500 مليون دولار كانت قد وعدت بها من قبل، معللة ذلك بـ “فشل سعيد في العودة بالبلد الى المسار الديموقراطي”.
أمام هذه الكارثة المحدقة بالبلد وبدل أن يتصرف قيس سعيد بمسؤولية ويصارح شعبه بحقيقة الاوضاع ثم يعيد “الامانة السياسية” الى اهلها طالبا الاعتذار، فضل الاستمرار في سياسة تغطية الشمس بالغربال، وبيع استقلال تونس وسيادتها بالتقسيط لمن أصبحوا يطلقون عليها هناك لقب “الاخت الكبرى” أي جزائر نظام العسكر، وقد كان آخر فصل في هذا الباب هو تفويت مكانة تونس الاعتبارية على الساحة المغاربية وموقفها السيادي المحايد من قضية الصحراء المغربية لجنرالات فرنسا مقابل قرض قيمته 200 مليون دولار، وهذا بالتحديد ما يفسر استقبال سعيد لزميله في الخيانة والعمالة والتبعية لنظام العسكر ابن بطوش استقبال الرؤساء، ولم يفعل ذلك لسواد عيونه !!؟؟.
بعد هذا القرض الاخير بلغ اجمالي القروض التي قدمها نظام العسكر لتونس منذ سنة 2020، نحو 450 مليون دولار، لكن الاخطر من ذلك هو هذه الحنفية الخاصة بصادرات الغاز والمواد الطاقية الجزائرية التي يفتحها نظام العسكر أو يغلقها في وجه جاره المنكوب، بحسب ما تقتضيه حساباته الذاتية، بل انه لجأ مؤخرا وفي اجراء اضافي الى دفع رواتب الموظفين التونسيين.
في الختام ليس هناك ما يدل على قرب نهاية هذا المسلسل من الابتزاز الحاتمي الجزائري لنظام سعيد، الذي يغذيه ارتفاع عائدات المحروقات بفعل الظرفية المعقدة التي يمر منها العالم، لكن يبقى من المؤكد وفي جميع الاحوال أن الهدف النهائي للنظام الجزائري من وراء هذه الحسابات هو محاصرة الشعب التونسي وإثقاله بكم من الديون التي لا قبل له بردها في ظل الاوضاع التي تمر منها بلاد، ودفعه بالتالي الى القبول بفتح ابواب بلاده أمام مخططاته التوسعية ورهن خياراته المستقبلية، ما يخشى معه من أن يغري ذلك هذا النظام المشحون بأوهام القوة العسكرية المتفوقة اقليميا لتجريب امكانية تحويل تونس أو”الاخت الصغرى”، كما يطلقون عليها، لمجرد ولاية جزائرية، لكنني لا أظن أن الشعب التونسي وشعوب المنطقة المغاربية كلها بما فيها الشعب الجزائري ستسمح بذلك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) عرس البغل يختلف عن العرس الحقيقي في انه ليس فيه عرسان لكنه يشبهه في كافة المراسيم، وهو تقليد مغاربي قديم كانت بعض القبائل والمناطق تحرص على اقامته بين الفينة والاخرى لاتاحة الفرص لتعويض الاسر التي لا تتوفر على عرسان على ما سبق لها أن جادت به من تبرعات (غرامة بالدارجة) للاسر التي تقيم اعراسا حقيقة، واعتقد ان هذا هو ما حدث بالضبط في تونس على هامش مؤتمر تيكاد.





