حديث الأربعاء

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

بقلم : عزيز لعويسي

 

 

 

الرياضة عموما وكرة القدم بشكل خاص، بالنسبة للدول العاقلة والمسؤولة والمتبصرة، هي فرصة للتلاقي ومناسبة لتذويب جليد الخلاف وكبح جماح الفتن والنعرات ما ظهر منها وما بطن، وقبل هذا وذاك، هي لحظة عابرة للمتعة والتباري الشريف في إطار الروح الرياضية العالية، التي تعد أساس الرياضة وغايتها، لكنها بالنسبة للدول البائسة والأنظمة المارقة الفاقدة للبوصلة، هي مناسبة لتصفية الحسابات، وفرصة لإثارة المزيد من الأحقاد والضغائن.

ما حدث بالجزائر من عبث وفوضى خلاقة، عقب نهاية مباراة نهاية كأس العرب للناشئين أقل من 17 سنة بين المنتخبين المغربي والجزائري، يعكس مرة أخرى أن العداء الخالد للمغرب والمغاربة، لم يعد حكرا على النظام الكابراني وأزلامه من الخاضعين والمنبطحين والمتملقين، بل بات للأسف، عقيدة مجتمع برمته، تذوق “بزولة” العداء واستأنس بها طيلة عقود من الزمن، باستثناء العقلاء والحكماء والأحرار، الذين يناضلون ويجتهدون ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، لكشف سوءة هذا النظام المفلس، وفضح مؤامراته ودسائسه أمام العالم.

القمة الكروية العربية المغربية الجزائرية، كان يفترض أن تكون قمة للتقارب والتآخي وطرح أسئلة الحقد والعداء، لكنها تحولت بل تم تحويلها مع سبق الإصرار والترصد، إلى قمة لتشتيت الشمل العربي، وهذا ليس بغريب على نظام أرعن بات إذا ما جاز التوصيف، “بؤرة عدائية” مهددة لأمن ووحدة واستقرار الوطن العربي، وأضحى لاعبا مارقا، تمادى ويتمادى في اللعب “غير النظيف” إن لم نقل “الوقح” في ملعب “الصحراء والساحل”، مصرا على “تكتيك” زعزعة الاستقرار”، عبر التمادي في نهج خطط العبث والفوضى والانفلات، وإنتاج الدسائس الحقيرة والمؤامرات الوضيعة.

قد نتقبل على مضض، أن يجأ فريق منهزم أو فشل في الظفر باللقب أمام جمهوره، إلى بعض ممارسات العنف والانفلات خاصة إذا كان الأمر يتعلق بفريق يافع، لكن الأمر العصي على الفهم والإدراك، أن يكون الانتصار والتتويج، مرفوقا بممارسات الفوضى الخلاقة والعنف المبالغ فيه في حق الفريق الخصم/المنهزم، في غياب الأمن الذي يفترض فيه أن يتحمل مسؤولية حفظ النظام وضمان أمن وسلامة الضيوف من اللاعبين والمدربين والحكام، لكن العداء الخالد للمغرب والمغاربة، كان كافيا لتحول لاعبين يافعين في بداية المشوار الكروي، من حالة “فرحة التتويج” إلى حالة “البلطجة” و”الهمجية” و”التوحش”، في مشاهد كروية مؤلمة، كنا نعتقد أنها اختفت في ملاعب العالم، لكننا فوجئنا أنها لازالت حاضرة بقوة في بلاد “القوة الضاربة “.

ما حدث في نهاية كأس العرب من “بلطجة” حاملة لعلامة “صنع بالجزائر”، ما هو إلا جزء لا يتجزأ من نظام بلغ من الحمق عثيا، ومن التهور درجات ومن الغباء مستويات، نجح في جعل العداء التاريخي للمغرب والمغاربة، عقيدة مجتمعية آمن بها السياسيون والمفكرون والمثقفون والإعلاميون والرياضيون والشباب واليافعون والأطفال وعامة الناس، إلا من رحم ربي من العقلاء والحكماء والأشراف والأحرار، لذلك، لن نستغرب أبدا، أن تحضر طقوس العداء في السياسة والثقافة والرياضة والإعلام، ولن نتفاجأ أيضا، أن تحضر “العنتريات” وتفوح رائحة “العداء” و”الضغائن” خلال “القمة العربية” المقبلة المقرر عقدها بالجزائر مطلع نونبر المقبل.

“قمة عربية” حملت كل شروط وأسباب الفشل حتى قبل بدايتها، لما طبع ويطبع الإعداد لها من “فانتازيا” و”عنتريات” و”كراهية” و”عداء” و”استفزاز” و”وقاحة”، من جانب نظام تائه، لم يعد له “شغل” ولا “مشغلة” إلا المغرب أو “المروك”، الذي بات هدفا للحاقدين والمنبطحين والوصوليين والمتملقين، ممن تقاسموا “بزولة” العداء الكابراني. “قمة عربية”، كنا نأمل أن تحرك المياه الراكدة للعالم العربي وتقوي الإحساس الفردي والجماعي بالانتماء إلى وطن عربي واحد، يقتضي الجنوح أكثر من أي وقت مضى، نحو الوحدة والاندماج، حرصا على الأمن القومي العربي، في ظل المتغيرات الجيوسياسية الإقليمية والدولية، لكن واقع الحال العربي، يفرض التعبير علانية عن مشاعر الأسف والحسرة بخصوص “القمة المرتقبة”، لما بتنا نعيش فيه من مظاهر الخلاف الذي وصل حد العداء والكراهية، ومن صور الهوان والتشرذم، الذي وصل درجة احتضان الانفصال.

وضع عربي تتقلص فيه فرص لم الشمل والوحدة والاندماج، في ظل نظام كابراني مارق، سعى ويسعى إلى “تشتيت الشمل”، بالتمادي في تهديد وحدة المغرب وسلامة أراضيه، عبر احتضان ودعم مرتزقة السراب، ومد جسور التقارب والتعاون مع “إثيوبيا” التي تهدد الأمن المائي لمصر، والارتماء الأعمى في الحضن الإيراني، بكل ما لذلك، من آثار وتداعيات على استقرار بلدان الخليج العربي، والميلان المكشوف نحو دعم النظام الحاكم في سوريا، الذي عبث بأمن واستقرار وحياة وتاريخ شعب بأكمله، وحشر الأنف في الملف الليبي، وإثارة نعرة العداء بين المغرب وتونس، وكلها ممارسات جبانة، لايمكن إلا أن تكون ماسة بالأمن القومي العربي وقاتلة لأي حلم مشروع في التقارب ولم الشمل.

النظام البائس، الذي عجز عن تنظيم مقابلة في كرة قدم بين منتخبين يافعين، والنظام الوضيع الذي يتمادى في تهديد الأمن القومي والاستراتيجي العربي بتصرفاته العدوانية، لن يكــون إلا عاجزا عن تنظيم “القمة العربية” المنتظرة مطلع شهر نونبر المقبل، والتي – إذا ما انعقدت -، فلن تكون إلا قمة “فانتازيا” و”عنتريات”، من جانب نظام عدواني مارق فاقد للثقة والمصداقية، يراهن على هذه القمة المحاطة بكل أسباب الفشل الذريع، للتمسك بحبل نصر دبلوماسي “كارطوني” أو “وهمي”، يغطي على “الخيبات” و”الزلات” ويرفع من جرعات “العنتريات”، وهو أبعد ما يكون من “الوحدة” و”التآخي” و”لم الشمل”، لأن من رضع “بزولة العداء”، لن يكون إلا منتجا للدسائس والمناورات والمآمرات، وصانعا للتفرقة والتشرذم والشتات …

ونختم بالقول، أن المغرب لما انفتح على قوى إقليمية ودولية وازنة، ولما وطد جسور المحبة والتآخي والتعاون مع بلدان مجلس التعاون الخليجي والأردن ومصر…، وانفتح بحكمة وتبصر على محيطه الإفريقي، كان يدرك تمام الإدراك، أن بجانبه نظام “ميؤوس منه”، لم تنفع معه لا “أيادي ممدودة” ولا “خاوة خاوة” ولا “حسن جوار”، بات اليوم، أكبر عابث بأمن واستقرار ووحدة بلدان العالم العربي، وأكبر عائق يحول دون بلوغ أحلام الشعوب العربية في التكتل والوحدة والاندماج على غرار بلدان الجوار الأوربي التي وحدتها لغة المصالح المشتركة، على أمل أن يعود هذا النظام إلى الرشد، ويدرك أن خير الأمة العربية ومستقبلها، في وحدة الصف ولم الشمل، ونبذ الفتن والنعرات ما ظهر منها وما بطن، في ظل عالم لا يؤمن إلا بأسلحة الوحدة والتعاون والاندماج والمصالح المشتركة…على أمل أن يستوعب أن “بزولة العداء”، لن تزيدنا نحن العرب، إلا ضعفا وهوانا وتشرذما، ولن تزيد المتربصين بنا من أمثال “ماكرون”، إلا قوة واستفزازا وضغطا وتسلطا وتحكما …

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...