في بلاد أمير المؤمنين: كيف يفكر المغاربة؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

 

*د. كمال القصير

 

 

تنشأ حوارات وتساؤلات عديدة في المشرق والمغرب حول الكيفية التي يفكر بها المغاربة، وكيف ينظرون إلى أكثر القضايا حساسية بالنسبة لهم.

وفي أثناء تلك الحوارات يظهر كثير من عدم الفهم. أريد أن أشرح بهدوء كيف يرى الناس في بلاد أمير المؤمنين أنهم دولة مركزية، ويتصرفون من خلال وعي دفين مختبئ، وفق هذا المعطى الشعوري أساسا، ثم السياسي والتاريخي. الأهم من التفكير، هو كيف يشعر الناس؟ فالشعور يكون أحيانا كثيرة أقوى من التفكير.

شعور المغاربة بالمركزية ليس اختيارا، فقد فرضته الجغرافيا السياسية للمنطقة. إن شعور الناس بالتاريخ وثقل حضوره في حياتهم، وتوجيهه الخفي لوعيهم بالحاضر والمستقبل، يختلف من مكان إلى آخر. يشتد هذا الشعور في مجتمعات إلى حد كبير، كما يكون خفيفا في دول أخرى. والدولة قبل أن تكون كيانا سياسيا، فهي كيان ونسيج نفسي وشعوري.

فكرة المركز في الوعي المغربي

بالنسبة للحكماء المغاربة، رغم إدراكهم لنقص أدواتهم الاستراتيجية، إلا أنهم يعرفون أن السياسة البارعة تعني العمل قريبا من الحافة ما أمكن ذلك، لكن دون أي خطوة إضافية نحو السقوط بداخلها. لقد أقنعني كل ما كتبته سابقا أن الجغرافيا تعود إلى الانتقام في لحظات تاريخية معينة. في التاريخ هناك دول تتمسك بمسألة الحدود، بالمقابل هنالك دول أخرى تسعى إلى التغلب عليها. هناك “خارطتان” مختلفتان في الوعي العميق للدول التي تمتلك إرثا إمبراطوريا، مثل المغرب وتركيا والصين وروسيا.

الخارطة الأولى، هي ما تعيشه هذه الدول في الوقت الحالي ضمن حدودها، أما الخارطة الثانية، فهي خارطة ذهنية متصورة مخزونة بداخل الوعي المجتمعي، حول ما ينبغي أن يكون عليه الواقع. وحتى أكون أكثر وضوحا فإن هناك فرقا كبيرا في رؤية قضية الصحراء المغربية، فالمغرب منطلقه وحجته الأساسية هي التاريخ، في حين ينظر جيرانه للأمر من منظور المصلحة والمنافسة الإقليمية فقط. وفي قضية سبتة ومليلية رغم تعقيدات الموضوع، إلا أنه لا يمكن أن تغيب تلك المشكلة عن الوعي المغربي العميق والخارطة المتخيلة.

المغرب هو الدولة الوحيدة التي تمتعت في أغلب مراحلها التاريخية بصفة دولة مركز، ولم تتخل عن مركزيتها لفائدة أي قوة أخرى من الخارج. فهي لم تكن طرفا أو تابعة لمركز في السابق، بل قاومت كل محاولات إخراجها عن كونها دولة مركزية من طرف العثمانيين ومن جانب الخلافة من قبل.
إن مصر نفسها رغم حجمها وكثافتها، كانت طرفا تابعا للخلافة وللعثمانيين. ولم تكن دولة مركز إلا مع الشيعة الفاطميين، الذين هم أنفسهم كانوا يستندون إلى قبيلة كتامة المغربية، التي ساهمت في صعود عصبيتهم في مصر وغيرها. بالمقابل فإن الإمبراطوريات التي نشأت في المغرب كانت كلها محلية الصنع، وبنت بيئتها. لم يكن المغرب بلد استقبال للقوى القادمة من خارجه مثل مصر، ولذلك تشبعت تربته بفكرة المركزية التي تنتقل بين الأجيال في الوعي والشعور.

في الواقع هذا الوعي الدفين بالمركزية هو ما جعل الرئيس السابق للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الموقر الشيخ أحمد الريسوني يعبر عما يعتقده، في لحظة استسلام خاطفة للوعي العميق، مما أثار ردود أفعال بين منكر وموافق ومتعجب. ربما لم يخطر ببال الموقر الريسوني كل ما نكتبه هنا من تحليل، لكن بالتأكيد هو يحمل كذلك تلك الخارطة الذهنية الدفينة، لما ينبغي أن يكون. هذا الشعور بالمركزية التاريخية هو ما كان يحرك السابقين من أمثال علال الفاسي وغيره.

الإهانة لا تنسى

ليس هناك أي مشكلة في أن تختلف مع المغاربة، في كيفية تفكيرهم، بل المهم أن تفهم كيف يشعرون ويفكرون في ذاتهم ووضعهم ورؤيتهم الحالية في المنطقة. إن بقاء قضية الصحراء المغربية معلقة، يمثل في الشعور المغربي إهانة يصعب استمرار القبول بها، كما أن مواقف بعض الدول الرمادية بمنظار الوعي الجمعي إهانة أيضا. إن الإحساس بالإهانة في فترة تاريخية لا يمكن أن تتغافل عنه الأجيال القادمة.

لا تنسى الدول الإهانات التي تعرضت لها في فترات معينة، وهو ما يولد لديها لاحقا ردود أفعال نفسية وسياسية. يمثل سلوك الصين الحالي، وهي في طريقها نحو استعادة الوضع الإمبراطوري، رد فعل على الإهانات التي تعرضت لها في القرنين الماضيين في حرب الأفيون من طرف الغرب، وحين استعمرتها اليابان القريبة منها. كما أن السلوك الإمبراطوري الروسي الحالي، يرد على كل الإهانات الغربية التي حدثت للقومية الروسية بعد سقوط الاتحاد السوفييتي. وعلى المنوال نفسه لا تنسى تركيا صاحبة التاريخ الإمبراطوري، في سلوكها الحالي أن لها صورة وخارطة متخيلة أخرى، ينبغي استعادتها من جديد.

للأمانة فإن الكثيرين في المغرب يتحدثون عن قضية الصحراء المغربية، دون أن يكونوا واعين بأنها تندرج ضمن المنظور الأكبر لفكرة المركزية، التي يفرضها التاريخ والجغرافيا السياسية. الكثير من المثقفين المغاربة أنفسهم يتحدثون عن القضية وفق رؤية تجزيئية، دون فهم عميق لارتباطاتها التي تحتاج الأجيال أن تفهمها. إن عددا ممن يتحدثون في الإعلام المغربي عن الصحراء المغربية، يشعرونك بتقزز، بسبب كسلهم وضعف تكوينهم التاريخي والسياسي.

انتقام الجغرافيا

يشير المحترم روبرت كابلان إلى أن الجغرافيا تنتقم في مراحل من زمن الدول، وتعيد فرض شروطها. وبالنسبة للمغرب فإنه يحتفظ بكل ما يجعله مختلفا في بنيته وتكوينه، من الكلمات والأوصاف والألقاب في السياسة والدين والاجتماع. لا توجد دولة في العالم العربي والإسلامي رئيسها هو أمير المؤمنين. إن إمارة المؤمنين ليست نظاما سياسيا فحسب، بل هي نظام شعوري في الوعي المغربي، وهذه مرحلة فوق مقتضيات السياسة. الأشياء في مكانها المناسب، التقاليد السياسية والأعراف والرسوم السلطانية والدينية. التفاصيل الدقيقة والكثيرة ميراث دفين في وعي هذه المجموعة البشرية، التي تسكن في هذه الجغرافيا. إن عمر الإدارة المغربية طويل، وزمن التفكير المغربي ممتد لقرون خلت، والمغاربة يتعاملون مع المنطقة منذ الخطوات الأولى للفاتحين المسلمين في الشمال الأفريقي.

المركزية المستقرة في الوعي الجمعي، يشاهد الناس تفاصيلها في كل يوم، وفي مختلف الأماكن. حيثما وليت وجهك ترى قبر سلطان فاتح، أو تجولت في عاصمة قديمة نطقت جدرانها بتفاصيل النجاحات والهزائم في الحروب. يتشبع المغاربة بالمركزية بسبب قيمة الذين مروا من تلك الأماكن، وبسبب ما خلفوا وراءهم من إرث ثقيل.

إنك حتما ستمر في لحظة من المكان نفسه الذي مر منه يوسف بن تاشفين، أو عبد المؤمن بن علي. أو تجلس أو تصلي في المكان الذي جلس أو صلى فيه المهدي بن تومرت أو المولى إسماعيل. لا خيار لك في هذا الأمر بحكم التاريخ والجغرافيا. الأماكن والتواريخ نفسها توحي بالمركزية وتمنح الإنسان تفكيرا مركزيا. وإذا كان مقدرا للإنسان أن يعيش في بلد في عمق أفريقيا جنوب الصحراء، حيث الفضاءات الخالية، فهو بالتأكيد لن يرى في المكان معطيات المركز، ولن تحفزه الجغرافيا على الانتقام.

يشعر المغاربة العاديون أحيانا بميول إمبراطورية، كلما تذكروا الأندلس. إنها أحاسيس عميقة أهم من أي تحليل استراتيجي أو مستقبلي. إن أكثر بلد تستخدم فيه كلمة “أندلس” بشكل يومي هو المغرب، والسبب في ذلك ارتباط الكلمة بأحد فنون الطرب والموسيقى المنتشرة والمحترمة من طرف المغاربة. بل إنها تحولت مع التاريخ إلى سمة من سمات شهر رمضان، حيث تعرض وقت الإفطار كل يوم. إن هذه الجزئيات كفيلة أن تحافظ على الشعور العميق بإحدى الخرائط والحدود القديمة.
إن شعور المغاربة بالأندلس لا يمكن أن يدرك الناس في المشرق درجته، ولا أن يشعروا بمثله، فالمسألة ليست مجرد حدث تاريخي، فالذين اقتطع العضو من جسدهم وأحسوا ببرودة سكين الجغرافيا فوق لحمهم هم المغاربة، الذين عاشوا الألم مباشرة وتحملوا تبعاته كاملة.

السلوك الإمبراطوري رؤية مختبئة في الوعي الجماعي العميق، يظهر في لحظة معينة. وحالة الضعف والانكماش التي تتعرض لها الدول ذات الماضي الإمبراطوري، لا تعني نهاية هذا السلوك ضمن رؤيتها، لكنه يبقى كمونيا وقابلا للانبعاث في لحظة معينة.

المغاربة لا يتعاملون مع مشكلاتهم الحدودية فقط من الناحية السياسية، بل يشعرون بها من حيث وعيهم التاريخي المختلط بنوازعهم النفسية. والحقيقة أنهم لن يشعروا يوما باكتمال شخصيتهم دون اكتمال حدودهم. المركزية ليست حدودا جغرافية فقط، فالمغاربة يشعرون بالمركزية الدينية المذهبية، فلا يرون أنفسهم تابعين ومقلدين لمذهب مالك الذي نشأ في الحجاز. بل يرون أنفسهم أصحاب مالك، وأصحاب الأشعري، بل مرجعا لتصدير المالكية والأشعرية والتصوف.

*كاتب مغربي

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...