رحيل السيدة العجوز… ذاكرة الإمبراطورية والاستعمار

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

*سامح المحاريق

 

 

صعدت الشابة الصغيرة آنذاك إلى مراسم التتويج بعد فصول ساخنة في تاريخ الأسرة المالكة في بريطانيا، وكان عليها وهي ترتدي التاج، الذي يحمل بصمات مملكتها الاستعمارية، وهي تعلم أن العالم سيزيحها جانباً من حساباته، ولم تكن تمر سوى سنوات قليلة، حتى أعلنت أزمة السويس 1956 النهاية الرسمية لبريطانيا، بوصفها قوة استعمارية، وبغض النظر عن المجريات على أرض الواقع، فإن التوافق الأمريكي ـ السوفييتي على وقف العدوان على مصر كان يعني أن بريطانيا لم تعد مثلما كانت، وأن شروطاً جديدة يتوجب على العالم أن يخضع لها.

عبارات مثل جيش جلالة الملكة وحكومة جلالة الملكة، والجنيهات الإسترلينية التي تحمل صورتها، وتماثيلها الصغيرة المجهزة للبيع في محلات التذكارات السياحية في لندن، أعطتها تلك الرمزية الكبيرة، وبقيت تشكل المرأة التي عليها أن تتحمل الشطط العائلي الذي يعيشه رجال ونساء من الأسرة، ولدوا في عصر التحولات الكبيرة، ولم يكونوا معنيين كثيراً، إلا باستغلال ما يمنحه النفوذ الشكلي للأسرة من أجل الاستفادة من المزايا والحياة الرغدة، وبقيت السيدة تمثل رائحة الماضي الذي لا يمكن استعادته، أو ظلاً للماضي يجثم على الحاضر بصمت وتربص.

مثل كثيرين، أو على وجه الدقة، مثل معظم سكان الأرض، ولدتُ والملكة تجلس على عرشها، وأخذت أتابع أحداث العالم عقداً بعد الآخر، وهي ما زالت قابعةً في مكانها، ومثل كثيرين، أشعر بأن العالم يواجه اليوم حقبة جديدة بعد وفاتها، ومثل كثيرين، لا أهتم بما يمكن أن يفعله الملك تشارلز الثالث، الذي سأحتاج إلى وقت طويل لأتعود على وجوده ملكاً، وكل ما كان يهمني في مشهد رحيلها هو ردة الفعل العربية حول الملكة، التي وإن جاءت في الهزيع الأخير بعد رحلة الاستعمار، فإنها بقيت من رموزه الأكثر حضوراً. حالة حزن مصطنعة ترافقت بعد خبر رحيل الملكة، مع أنه واحدٌ من أكثر الأخبار المتوقعة خلال السنوات الأخيرة، وكلمة السر التي تتناقلها الحكومة البريطانية عند وفاة الملكة وتتعلق بوقوع جسر لندن، كانت شائعةً ومنشورة في معظم صحف العالم ومواقعه الإلكترونية، ومع المواقف الرسمية الكثيرة التي حملت التقدير للعلاقات الثنائية مع بريطانيا، والمجاملات البروتوكولية، فإنه بدا واضحاً أن جيلاً عربياً بأكمله لم يعد يحمل مشكلة مع الاستعمار، وهذه ظاهرة تتصف بالغرابة، فبينما كانت السيارات تطلق أبواقها في مدن أيرلندية، ويقوم مشجعو فريق سيلتك الاسكتلندي برفع لافتات ترحب بخبر وفاتها، فإن الحديث العربي حول الماضي الاستعماري كان أقل من المتوقع، وكأنه لم يكن موجوداً. يمكن فهم الاحتكاك الكبير بين الأيرلنديين والاسكتلنديين من جهة، والإنكليز من جهة أخرى، واستحضار محطات ساخنة قريبة، لكن الجرائم الاستعمارية في الشرق العربي كانت بشعة وواسعة، فهل يمكن أن يمثل استقبال وفاة الملكة انعكاساً لظاهرة خفية داخل الشباب العربي، بأن الاستقلال لم يكن أفضل من الاستعمار في شيء، وأن الخذلان وعدم تمكنهم من إنتاج السلطة من خلال العملية الديمقراطية، التي تعبر عن مشاركتهم جعلتهم يشعرون باللا فرق بين الاستعمار والاستقلال؟ هذه تفسيرات ربما لم يفكر فيها أبناء الجيلين الأخيرين، بما يجعل السبب متراكماً في الجيل السابق، أي جيل الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، الذي أصابته الصدمة في عصر الاستقلال، بما جعله ينكص عن اعتباره حلمه الوطني، وبالتالي لا يعمل على توريثه في الشيفرة المنقولة للأجيال التي لحقته، وكأنه شعور بأن عصر الاستقلال لم يتضمن العامل الإنساني ولم يكن تأسيساً لمرحلة التحرر المنشودة التي تمكن الحالة الوجودية الجمعية من النضج والإعلان عن ذاتها.

رحيل الملكة إليزابيث الثانية، والفتور في مواقف استذكار الماضي الاستعماري لا يتعلق بقناعة الناس بدورها الرمزي غير الفاعل، بقدر ما يتعلق بشعورهم بورطة حضارية، ربما كان الاستعمار يؤجل مواجهتها، أو على الأقل يشكل هدفاً واضحاً تتلاشى أمامه الأسئلة الخاصة بالتحقق الإنساني في الوطن، ويتماثل ذلك مع نوبات الحنين التي يعيشها المصريون والليبيون والعراقيون للعصور الملكية السابقة، مع أن أجيالاً بأكملها لا تعرف طبيعة الحياة في تلك العصور، وكل ما يصلها هو الحديث عن حياة أفضل مما يعيشونه اليوم وأكثر استقراراً. الأمر غير المبشر في مرحلة ما بعد الملكة إليزابيث هو وجود الملك الجديد الذي يمتلك ثقافة واسعة، من ضمنها ما يتعلق بالمنطقة العربية والإسلام والتاريخ، وهو الأمر الذي يعد غير مبشر في مجمله، فالمرة الأخيرة التي حاول الغرب أن يرى الشرق بنكهة مغايرة، أسفرت عن خلخلة واسعة مع الربيع العربي، وكأن خطاب الرئيس الأمريكي أوباما في جامعة القاهرة كان مفتتحاً لكل ما تبعه من أحداث وعواصف، ويبقى من الأفضل أن يواصل الإنكليز وغيرهم النظر إلى الملك تشارلز بوصفه حارساً على البروتوكول، وعلى استقرار أسرته الملكية أمام مشكلاتها الكثيرة، ويفضل من الملك ألا يحاول أن يخرج من سلبية والدته تجاه قضايا العالم، وأن يتزيا برداء الحكمة مثل الدالاي لاما، أو بابا الفاتيكان، لأن العالم ليس بحاجة إلى مزيد من الأفكار الأنيقة، ولا الاقتباسات المؤثرة، لكنه بحاجة إلى سياسة جديدة تنتمي إلى عصر مختلف.

*كاتب أردني

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...