مغاربة إيطاليا – الإفتقار للغة الإيطالية يكرس صعوبة الإندماج

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

 

*ذ. أحمد براو

 

 

 

عكست الطلبات على دورات اللغة الإيطالية من قبل المهاجرين الأجانب والمغاربة سواء في المدارس العمومية أو داخل الجمعيات المختصة وعيا كبيرا داخل الجالية المغربية بأهمية اكتساب المهارات اللغوية كشرط أولا للحصول على الإقامة، وبدرجة أقل على الإندماج الناجح، فيما لايزال يعتبر ضعف التمكن من اللغة عائقا أساسيا في سوق العمل وداخل المجتمع، وتحديا كبيرا للسطات الإيطالية من الناحية الإجتماعية والثقافية والسياسية.

– مكانة اللغة الإيطالية

تحتل اللغة الإيطالية المرتبة العشرين بين اللغات الأكثر استخداما في العالم وهي ليست فقط اللغة الرسمية لإيطاليا بل تعتبر كذلك في بعض الدول مثل سويسرا وكرواتيا وسلوفاكيا وألبانيا، ويتحدث بها كلغة إضافية ثانوية في بعض البلدان الإفريقية بالقرن الإفريقي والمغرب العربي.
وهي لغة جميلة ورقراقة ذات إيقاع فني موسيقي بين حروف العلة والحروف الساكنة، تقترب كثيرا في المفردات من الفرنسية وفي تصريف الأفعال من اللغة الإنجليزية بحيث تستمتع وأنت تستمع للمتكلم بدون ملل وكأنه يقدم لوحة فنية بإيماءات تساعد على الفهم في حالة تبدو مثل الغناء.

– علاقة الجالية المغربية باللغة الإيطالية

تبلغ الجالية المغربية بإيطاليا حاليا ما يقارب النصف مليون مهاجر مقيم، وللأسف لوقت قريب كانت ولازالت فكرة إرسال الأبناء للبلد للدراسة عوض المدارس الإيطالية أو التفكير في ضرورة تغيير البلد بسبب اللغة مدعين أن الفرنسية والإنجليزية بالإضافة للعربية هي اللغات التي يجب أن يلقنونها لأبنائهم، وبقيت تلك الثقافة سائدة إلى وقت قريب، فيما انصرف الآباء عن تعلم الإيطالية واقتصروا على بعض دروس محو الأمية، وأكثرهم لم يزاول دورات الدروس داخل الفصول الدراسية، اللهم في بعض الأحيان عندما كانوا مجبرين لاجتياز الإختبار اللغوي والحصول على الشهادة الذي تتطلبها وثائق الإقامة.
وقد كان بالإمكان التضحية ببعض الساعات لا تفوق ال30 ساعة لكي يتمكنوا من تعلم أبجدياتها وتصريف أفعالها وتركيب جملها.

لكن الأدهى من ذلك هو ما يدور داخل أوساط الجالية المغربية بإيطاليا فيما يخص التكلم باللغة الإيطالية، فعلا هم يُقدّرون من يحسن التكلم بها عند الضرورة لكنهم يسخطون على من يجرؤ أن يتكلمها كلغة خطاب داخلي فيما بينهم. حذار ثم حذار أن تكون بين أصدقائك في جلسة بأحد المقاهي وهم يتكلمون ويتحاذبون أطراف الحديث، وتجرؤ على مخاطبتهم باللغة الإيطالية فستنهال عليك الإنتقادات والعتاب، وإذا كنت في مجموعة تواصلية وكتبت باللغة الإيطالية أو نطقت بها فلا مفر لك من تعاليق تستهزئ بفعلك ذلك المخالف لما جرت عليه العادة.

– لا اندماح فعلي وحقيقي بدون سيادة اللغة

سبق لي أن قمت بزيارات عديدة لدول أوروبية كفرنسا وألمانيا وبلجيكا وهولندا والتقيت مع المغاربة المقيمين هناك وحضرت اجتماعاتهم وتجمعاتهم، ولكني لاحظت أنهم كلهم بعكس مغاربة إيطاليا يتكلمون حتى بينهم بلغة بلد الإقامة وليس هناك من يعارضهم أو ينتقدهم، ومن تم أدركت لماذا سبقتنا تلك الجالية في مجال الإندماج ووصول أجيالها السابقة إلى مراتب ومراكز متقدمة في صنع القرار وتعدد الكفاءات، فيما لايزال جيل مغاربة إيطاليا الثاني يعاني من انفصام ثقافي وتخبط في ازدواجية الهوية.

أدعي أن سبب عدم انخراط أبناء الجاليات المغربية بإيطاليا في العديد من الأنشطة الثقافية والإجتماعية والتطوعية هو مسألة اللغة فتجد الشباب من أبناء وبنات المغاربة يحسنون اللغة الإيطالية ولا يجيدون التحدث وقراءة وكتابة العربية، فيما يعتمد المسؤولون عن الجمعيات والمراكز الثقافية الإسلامية على اللغة العربية ونادرا ما يتفاعلون عن طريق الترجمة أو عبر ملاحظات بعض الغيورين على إدماج الشباب.

لاسبيل لمغاربة إيطاليا إلا تغيير أنماط الفكر السائد وضرورة تغيير هذا الواقع للأحسن وإلا فإن الإفتقار للغة الإيطالية والتربية المدنية سيبقى حاجزا وعائقا دون الإندماج، ولابد للفاعلين والكفاءات المغربية أن تعمل على تمرير هذه الأفكار وتعبئة أفراد الجالية بأن يأخذوا هذا الأمر مأخذ الجد لأن تعلم لغة القوم هي أولى الأولويات للحصول على الحقوق المدنية والدستورية، وأن التمكن من التواصل بطريقة جيدة يعطي للمهاجر قيمة مضافة خاصة إذا كان يحسن أكثر من لغة بحيث يصير وسيط ومسهل ومستشار وفاعل في الميدان الثقافي والإجتماعي يترك بصمة قوية وإيجابية من أجل التعايش والإندماج والسلم المجتمعي في بلد متعدد الثقافات والإثنيات والديانات.

*كاتب وباحث في الهجرة من ايطاليا 

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...