* الدكتور عبد الله شنفار
يرددون دومًا في خطاباتهم: “نحن نستعد وَنُعِدُّ لَهُم مَا اسْتَطَعْتنا مِن قُوَّةٍ وَمِن رِبَاطِ الْخَيْل لإرْهابِهِم!”
فهم يوهمون أن الحروب لازالت تُجرى وتُدار رَحاها بالسيوف والرماح والقوس والنبال؛ والبغال والدواب والحمير؛ لإسقاط طائرات الدرون والF35 وال سوخوي سو-35!!
الكثير من الجماعات والتنظيمات السرية المتطرفة؛ وحتى المعتدلة منها؛ تلجأ إلى السرية في عملها؛ وذلك من خلال إعادة إحياء فكرة “دار الارقُمْ” من أجل تأسيس وبناء جماعة أو تنظيم سري إرهابي مسلح؛ في محاضنها الخاصة.
حَرَسُ المعبد الذين يدعون امتلاك مفاتيح أسرار الكون والطبعة الأصلية للحقيقة؛ وحيث مشروعهم ومخططاتهم وبرامجهم واستراتيجياتهم؛ تطابق خطة الإلٰه؛ معناه أنهم اطلعوا على كل ما يجري في الملأ الأعلىٰ ومضامينه، ويعلمون ما يدور في السماء والأرض، وما في الكتاب واللَّوْح المَحْفُوظ.
يكفي النظر العميق في المغالطات المنطقية لفكر بعض الجماعات الدينية الموغلة في التطرف؛ لتكتشف مدى انعزاليتها وهشاشة تكوينها والعجز المتعدد الأبعاد الذي تعاني منه! فهي تقول بداية ب:
– نحن أناس..!
– نحن جماعة المسلمين..!
– نحن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم..!
فتنتهي إلى:
– نحن الإسلام..! وحُماة الإسلام..!
– نحن الدين..! وحُماة الدين..!
فأين الخلل في هذا الكلام!؟
في ظل هذه الوثوقية الزائدة في النفس، واليقينية المُطلقة؛ معناه أن البقية من الناس عندهم النسخة المزيفة فقط؛ وحتى إذا تمكنوا من طبعة أصلية؛ فسوف يسيؤون استعمالها.
فالعقلاء من الناس يقولون:
* نحن جماعة مِنَ الناس؛
* نحن جماعة مِنَ المسلمين؛ وليس مِنَ الْمُشْرِكِينَ؛
* نحن جزء مِنَ الْعَالَمِينَ؛ ولسنا الْعَالَمِينَ؛
* نحن أتباعًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ مِمَّن آمنوا به وبرسالته؛
والمشكلة لا تكمن في صعوبة إيجاد مقترحات الحلول والبديل؛ للمشاكل والقضايا المطروحة؛ ولكن المشكل يكمن في نقطة الاعتراف بفداحة الخلل؛ الذي يبقى من الصعب الوصول إليه؛ نظرًا لتكثيف وتضخيم في شبكة العلاقات؛ مما يفضي إلى تبني ظاهرة الوثوقية واليقينية!
عندما تكون الطريقة والمنهج المتبع في حل مشكل ما ضعيفًا وضئيلة؛ فهي تُشبه إلى حد ما؛ القياس بمسطرة مُعَوَّجَّة؛ تعطيك قراءات قياس خاطئة لنفس الحالة!
لكن الخطير في الأمر؛ هو لمَّا يتشبث البعض بسلامة المسطرة رغم اعوجاجها؛ ويبحث عن عشرات الطرق والأساليب الملتوية؛ ليبرر تلك القراءات الخاطئة.
يبدو أن هؤلاء قد تناسوا وتجاهلوا الحِكمة في قوله تعالى: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَآءً ظَٰهِرًا﴾. (وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا) واستأنسوا في حواراتهم مع الناس؛ ادعاء امتلاك الطبعة الأصلية للحقيقة؛ والخوض في الجدالات العقيمة التي زُرعت في تربة الجهل؛ وسقيت بماء الظنون.
إن التفكير المنهجي السليم؛ هو طريقة تحليل وتقييم لجميع الأجزاء المترابطة فيما بينها؛ في إطار نسق أو نظام معين؛ والتي بدورها تشكل موقفًا حتى تحقيق وعي أكبر بالأحداث والوقائع.
فالجهاز المفاهيمي والمعرفي كبنية عند هذه الجماعات المنغلقة على الذات؛ صُمِّم لحماية نفسه؛ من خلال نهج أسلوب (الوثوقية الزائدة واليقينية المطلقة)؛ مما ينتج عنه أفرادًا لا يفكرون سوى به؛ فقط؛ ولا ليتفكروا فيه أبدًا.
لما تنادي بإحداث التغيير؛ والقوة الصلبة ترفضك وليست معك، ولن تكون في يوم من الأيام معك؛ ولا حتى المواطنات والمواطنين، هم إلى جانبك؛ و95 ٪ من دول العالم لا تساندك؛ فكيف يكون لك وجود داخل المنتظم الدولي وأنت تعاني الحصار الاقتصادي والسياسي والديبلوماسي؟
هذا أقل ما يمكن أن يقال عنه؛ إنه انتحار ومجرد شعار أجوف.
صاحب الخطاب السياسي المبني على معطيات الواقع؛ يكون له التزام؛ وعندما لا يستطيع تغيير الواقع؛ فإنه يعمل على إحداث تعديلات وإدخال تغييرات على شروط إنتاج واستمرار هذا الوضع أو الواقع؛ من خلال دراسة معمقة حول الممكن والغير الممكن؛ المنطقي والغير منطقي؛ المتاح والغير متاح من الجيوش واللوجستيك والمعدات وحتى التوقيت والمكان والمناخ الداخلي والخارجي والدولي والعالمي… وغيرها.
أما صاحب الخطاب العاطفي؛ فمسكين له أنماط تفكير بالتمني بأن معجزة ستحدث يومًا ما وتغير حياته ومجريات الصيرورة التاريخية.
والخلاصة هي أن اللسان لا يوقفه شيء؛ إلا سعة الإمكانات.
في المجتمعات الحديثة؛ هناك حرب أفكار مستدامة. وعندما نخاطب عقولًا وأفكارًا؛ فنحن نصنع بذلك الرأي العام؛ من خلال محاولة إحداث تغييرات وتأثيرات عميقة فيه.
وبالتالي لكي ننجح في إيصال فكرة معينة؛ لابد من معرفة شيفرات المتلقي أو من نخاطب. هذه الشِّفرات تتغير باستمرار من حال إلى حال؛ وفيها الثابت الذي لا يتحول ولا يتغير وفي حالة جمود.
الأمر اذن يتطلب ذكاء وقدرات لمعرفة قوانين التحول الاجتماعي؛ التي هي عبارة عن فضاءات ومساحات ملغومة ومزروعة بالعديد من الأفكار والقيم والألغام السابقة من مختلف القناعات والمصالح المتناقضة؛ الاجتماعية والسياسية والمالية والاقتصادية والشخصية والعسكرية والإستراتيجية… وغيرها؛ منها الضارة ومنها النافعة؛ ومنها الإيجابية ومنها السلبية.
ومن هذه القوانين والمعايير والمؤشرات؛ والأبعاد المتواجدة في عقول البشر؛ هي إدراك مدى القابلية للأفكار المطروحة ومعرفة مدى عناصر المقاومة وردود فعل الحرس الموجود؛ واستيعاب كل تلك المتناقضات الاجتماعية.
وبالتالي كل خلل في الخطاب والتواصل وفهم الواقع الدولي والمحيط العالمي؛ سوف يؤدي حتماً إلى نتيجة عكسية.
فمعرفة شِفرات هذه الذاكرة المشوشة والتي تعيش حالة شك وريب وارتباك أو حالة جمود وركود وأفكار ميتة؛ يتطلب القدرة على التواصل؛ من خلال عملية انتقاء المعلومات ودراستها بدقة؛ لمعرفة من ستقاوم ومن ستقتنع بسهولة ومن يسهل تغييرها؛ مع إخضاعها للتقويم والتتبع والتجاوز لخلق فضاء مفتوح قابل للتطور.
_______
* مفكر وراصد اجتماعي ومحلل سياسي واقتصادي مغربي





