أحدثت حرب الأربعين يوما على إيران، تداعيات هائلة تأثرت بها كل دول العالم، ربما بقدر لم يكن يتوقعه كثير من الدارسين والإستراتيجيين، فقد أنشبت الحرب أظفارها على جسد الاقتصاد العالمي المتهالك أصلا، وكادت أن ترديه، وكشفت عن كثير من الندوب القاتلة في خارطة العلاقات الدولية بفعل صراع القوى الكبرى الشرس على موارد قوى الهامش.
وما إن انقضى الأسبوع الأول للحرب حتى بدأت قوى المركز في أوروبا وآسيا تتململ؛ خوفا من مآلات الحرب وتأثيراتها السالبة، وكُتب الكثير من المقالات عن آثار الحرب على دول المركز في أوروبا وآسيا، في مجالات الاقتصاد والسياسة والتحولات الاجتماعية، ولعل ذلك مما أسهم في رجحان كفة العقل لوقف تلك الحرب المجنونة.
ولكن في واقع الأمر فإن حرب الأربعين يوما قد أثرت على كل دول العالم وليس دول المركز فحسب، وسيكون لها تداعيات ارتدادية ستظهر بعد نهاية الحرب، وهذا شأن كل الأحداث الكبرى، تولد آثارا هي أشبه بكرة الثلج كلما تدحرجت عظمت وكبرت.
يناقش هذا المقال تداعيات وآثار حرب إيران على القارة الأفريقية، وهو موضوع مهم لم يجد حظه المطلوب من النقاش، يستعرض المقال الآثار السياسية والإستراتيجية والاقتصادية للحرب على أفريقيا، ويجادل بأنه ورغم التحديات السالبة التي فرضتها الحرب على دول القارة الأفريقية، فإنها ولدت فرصا سانحة يمكن أن تفتح أبوابا كبيرة لدول القارة لمزيد من التكامل الإقليمي والقاري، وجذب كثير من المستثمرين لأحضان قارة بكر تمثل مستقبل العالم الاقتصادي.
تحدي الطاقة وسلاسل الغذاء
تأثرت اقتصادات معظم الدول الأفريقية بشكل مباشر، أو غير مباشر بإغلاق مضيق هرمز، حيث ضرب إغلاق المضيق أهم قطاعين وهما قطاع الطاقة وقطاع سلاسل الغذاء، إذ ارتفعت أسعار النفط بشكل رأسي لم يكن في حسابات ميزانيات هذه الدول، وبالتالي اضطرت الدول لرفع أسعار الوقود مما أثر مباشرة على القدرة الشرائية للمواطن.
أما التأثير الأكثر ضررا، فقد تمثل في توقف صادرات الأسمدة والأمونيا، وهي العمود الفقري للزراعة، وتعتبر دول الخليج وإيران من أكبر المنتجين للأسمدة، ويشير موقع الجزيرة إلى أن إنتاج هذه الدول يقدر بحوالي ثلث الإنتاج العالمي لهذه السلعة الضرورية للزراعة.
وتمر سلسلة الأسمدة عبر مضيق هرمز إلى الدول الأفريقية، وشكل توقفها أكبر مهدد للموسم الزراعي الوشيك في القارة. وللتذكير فقط، فإن الدول الأفريقية سبق أن واجهت أزمة غذاء كبيرة عند اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا في العام 2022، بسبب الاعتماد الكبير على القمح المستورد من الدولتين، والأسمدة التي تستورد أساسا من روسيا.
ومع تطاول الحرب الروسية الأوكرانية، تضاعف الاعتماد على الأسمدة المصنعة في دول الخليج وإيران، ولذلك فإن انقطاع سلسلة توريد الأسمدة بتوقف الحركة عبر مضيق هرمز، وارتفاع تكلفة النقل والتأمين، يشكلان كارثة غذائية كبيرة تنذر بفشل الموسم الزراعي للعام 2026-2027، وبالتالي تزايد معدلات الجوع وأزمة الغذاء في الدول الأفريقية.
لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ إن شح الغذاء وارتفاع الأسعار لهما تداعيات مباشرة على الأمن والاستقرار الاجتماعي، لأنهما يفرضان عبئا ماليا إضافيا على ميزانية العائلة المحدودة أصلا، ويضعفان القوة الشرائية للقطاعات الهشة في المجتمع، فتزداد مساحة الفقر والحاجة، وانعدام الأمن الغذائي.
وغالبا ما تستغل النقابات العمالية هذه الحالة للثورة على الحكومات عبر الإضرابات والوقفات الاحتجاجية. وبالمقابل تقوم الحكومة باستخدام القوة والقمع لفرض الأمن والنظام، مما يضيق مساحة الحريات العامة، ويغذي محركات الثورة والتمرد.
حالة الشد والجذب بين الدولة والنقابات، وتصاعد أزمات الغذاء وندرة الحاجيات الأساسية، تمثل البيئة المناسبة لثورة جيل “زد”، وقد شهدت القارة ثورات عارمة لهذا الجيل المتمرد في السنوات الأخيرة، كان محركها الأساسي الحاجة للمأكل والعمل والحرية، وأحدثت تحولات سياسية واجتماعية هائلة في دول مثل المغرب، وكينيا، وتنزانيا، ومدغشقر، وغيرها.
تداعيات سياسية وإستراتيجية
أعادت الحرب على إيران دول القارة الأفريقية إلى عهد الانحياز القهري والمحاور التي عرفتها إبان الحرب الباردة، إذ عمدت الولايات المتحدة إلى استخدام الضغط السياسي، عبر أذرعها الطويلة؛ لكسب الدول الأفريقية في حربها مع إيران.
ووجدت دول القارة نفسها أمام معادلة بالغة الحساسية بين علاقاتها مع القوى الكبرى، وبين تجنبها الدخول في صراع لا يعنيها مباشرة. ورغم الضغوط الأمريكية القوية، فإن القادة الأفارقة يمكنهم الاستفادة من السياسة الحكيمة التي اتخذوها إبان الحرب الروسية الأوكرانية، والتي جنبت القارة الوقوع في براثن الاستقطاب والبلقنة.
من جانب آخر، فإن التوتر الراهن في مضيق هرمز، سيؤدي بالضرورة إلى توترات مشابهة على شواطئ البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، وحتى السواحل الأفريقية على المحيط الهندي، لا سيما بعد مهاجمة إيران قاعدة دييغو غارسيا الأمريكية البريطانية، الواقعة في جزر “تشاغوس” في عرض المحيط الهندي.
وربما تمتد حالة التوتر حتى خليج غينيا الذي يشهد منذ مدة مواجهات متجددة مع قراصنة النفط وتجار المخدرات والبشر.
من أجل ذلك سيزداد نهم القوى الكبرى، والقوى الصاعدة مثل تركيا والهند، لإيجاد مزيد من القواعد على هذه الشواطئ الإستراتيجية المهمة، بالذات على البحر الأحمر وباب المندب، وقد شهدنا نهاية العام الماضي الحراك السياسي والعسكري الضخم في المنطقة بعد اعتراف إسرائيل الأحادي بإقليم أرض الصومال الانفصالي.
وسبق أن شهدت المنطقة حراكا كبيرا بشأن الطلب الروسي لإيجاد قاعدة على الشاطئ السوداني بالبحر الأحمر، وقد رشحت معلومات مؤخرا أن الولايات المتحدة تواصلت من الحكومة السودانية، للحصول على قاعدة بحرية على البحر الأحمر كذلك.
وليست إرتيريا، وجيبوتي، بمعزل عن هذا التدافع.
كل ذلك يعكس احتدام التنافس الدولي المعلن والخفي للحصول على موضع قدم على شاطئ البحر الأحمر الذي تزداد أهميته الإستراتيجية بسبب أحداث مضيق هرمز.
وهذا التسابق الدولي على هذا الممر الهام يجب أن تستغله الدول المطلة على البحر الأحمر، والاستفادة القصوى من ميزة الموقع في تحسين شروط الشراكات لأقصى درجة ممكنة، باعتباره ورقة رابحة في يدها، عندما تفاوض أية دولة طامحة في الحصول على موطئ قدم إستراتيجي على شواطئها.
وفي ذات الوقت على هذه الدول أن تتحسب للآثار السالبة لوجود قواعد أجنبية على أراضيها، إذ يمكن استغلالها للهجوم على دول أخرى، ما من شأنه تهديد الأمن القومي للدول المضيفة للقواعد، وتهديد الأمن الإقليمي كله.
فرص أمام التكامل الأفريقي
في مقابل هذه التحديات الماثلة، فإن الحرب على إيران، وإغلاق مضيق هرمز، كشفا عن فرص كبيرة أمام الدول الأفريقية، سواء على المستوى القُطري، أم على المستوى الإقليمي والقاري، ونستعرض أهم هذه الفرص:
- أدى الارتفاع المفاجئ في أسعار النفط والوقود إلى مكاسب كبيرة للدول الأفريقية المنتجة للنفط، مثل نيجيريا، وأنغولا، والغابون، وليبيا، والجزائر، مما ساعد هذه الدول في تغطية العجز ومواجهة الزيادة غير المحسوبة في أسعار الغذاء والمواد الأساسية، دون أن تضطر لزيادة الإنتاج.
ولكن المكسب الأكبر هو زيادة اهتمام الشركات العالمية بالاستثمار في تطوير صناعة النفط وموارد الطاقة التقليدية والنظيفة في أفريقيا، وهو اتجاه يمكن أن تستفيد منه دول أفريقية لديها مخزون كبير من النفط، لكنه يحتاج إلى استثمارات ضخمة، مثل تشاد، والنيجر، والسودان، والسنغال، وموريتانيا، وأوغندا، وغيرها.
ومن المتوقع أن يعجل هذا الاهتمام الدولي بتحريك التمويل لمشروعات ضخمة جرى الحديث عنها منذ عدة سنوات مثل مشروع أنبوب الغاز من نيجيريا عبر الجزائر إلى أوروبا، ومشروع تصدير النفط الأفريقي إلى الأمريكتين بحكم القرب الجغرافي، وغيرها.
- أدركت الدول الأفريقية خطورة وهشاشة الاعتماد على الممرات البحرية البعيدة، وسلاسل الغذاء العالمية التي يمكن أن تتوقف في أية لحظة، ودون سابق إنذار، ومن شأن هذا الفهم أن يعجل الخطى نحو التكامل الإقليمي والقاري وتشجيع التجارة البينية، وتعزيز سلاسل الإمداد الإقليمية وشبه الإقليمية في مجالات الطاقة والأسمدة والسلع الاستهلاكية، بدلا من الارتهان إلى الأسواق البعيدة المضطربة.
- أمام الاتحاد الأفريقي الآن فرصة سانحة للدفع قدما بخطط التكامل الاقتصادي القاري، واتفاقية التجارة الحرة، ومراجعة إستراتيجيات الطاقة والأمن الغذائي ودعم القطاع الخاص. وذلك عبر إحكام التنسيق والتعاون مع المنظمات الإقليمية وشبه الإقليمية الأفريقية مثل “الكوميسا” والمجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا و”السادك” و”الإيغاد” وغيرها.
- وأخيرا فإن الفرصة تبدو سانحة الآن أمام الدول الأفريقية، لاستغلال حالة التردد والارتباك لدى الشركات الكبرى من الاستثمار في الشرق الأوسط، واستقطابها للاستثمار في أفريقيا في المجالات الكبرى مثل الطاقة المتجددة والأسمدة والصناعات الغذائية، والتكنولوجيا، وهي مجالات مهمة لبناء نموذج اقتصادي أفريقي، يحقق التنمية المتكاملة ويمنع صدمات الأسواق؛ بسبب التبعية الاقتصادية والارتهان للخارج.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر: الجزيرة






