اللاجئون السوريون.. ورقة للمساومة الإقليمية والدولية.

 

 

 

 

*بقلم.. الدكتور حسن مرهج

 

 

بداية لابد من التنويه، إلى أن الدستور السوري، يكفل حق السوري في وطنه، زيارة وإقامة، وفي المقابل، تقع على الحكومة مسؤولية تأمين الخدمات اللازمة له. وضمن ذلك، فقد بات واضحاً أن قضية اللاجئين السوريين الوطنية والإنسانية، تحولت إلى قضية عالمية يتم تسييسها من قبل الغرب، وتستخدم كورقة في الضغوط المتبادلة بين الدول، وفي الابتزاز السياسي ضد الدولة السورية، وربطاً بذلك، وعطفاً على ما تضمنه الدستور السوري، لجهة حق السوري في العودة إلى وطنه، فإن القيادة السورية، دائما ما تقوم بتهيئة الظروف والمناخ، لعودة السوريين إلى وطنهم، وسحب تلك الورقة من التداول السياسي، والذي وصل حد الابتزاز لدمشق، من قبل دول اللجوء، وهنا لا نتحدث عن توجهات الدولة السورية، والمتعلقة بالعمل لإعادة اللاجئين، من زاوية توجيه الرسائل السياسية فقط، لكن دمشق وانطلاقاً من دورها الإقليمي، فإنها تسعى لتأمين مقومات صمود السوريين، والضرب بيد من حديد، على كل المعادلات الإقليمية والدولية، والتي تتحدث عن عدم قدرة الدولة السورية، على تأمين مستلزمات الشعب السوري.

وهنا لابد من الإضاءة على الدور اللبناني، في سياق عودة اللاجئين السوريين إلى وطنهم، فقد عانت الدولة اللبنانية من ضغوط إقليمية ودولية، لإبقاء اللاجئين والنازحين السوريين، في مخيمات اللجوء في لبنان، خاصة أن بعض التيارات السياسية في لبنان، حاولت استثمار ورقة اللاجئين، بل وسرقة مخصصاتهم الأممية، فضلاً عن محاولتهم تشويه صورة الدولة السورية، والقول بأن دمشق ستقوم باعتقال كل العائدين من مخيمات اللجوء في لبنان، لكن الدولة اللبنانية عملت في إطار وطني مغاير، يعتمد على وضع مقاربات من شأنها وضع حد لكل من يعرقل عودة اللاجئين، فالاجتماعات التي عُقدت بين الجانبين السوري واللبناني، لجهة إغلاق ملف النازحين، وسحب هذا الملف من أوراق الضغط على دمشق وبيروت، أثمرت إعادة منتظمة للاجئين، وستستمر خلال الأيام القادمة، وبالتالي، على كل الدول الأقليمية والتي لجئ إليها السوريين، أن تفتح قنوات التواصل مع القيادة السورية، لإغلاق ملف النازحين السوريين، وإعادتهم إلى سوريا، لا سيما أن إبقاء هذا الملف قيد الاستثمار لن يؤثر على سوريا فحسب، بل أيضاً على دول اللجوء ذاتها.

في ذات السياق، ومع تتابع فصول الحرب على سوريا، فإن إحدى أهم أدوات تلك الحرب، كانت ورقة اللاجئين، التي حاول الغرب جاهداً في تسويق مشهد غير منطقي، مرتبط بعودة اللاجئين، إذ دأب الغرب والإعلام الغربي عموماً، على القول بأن سوريا غير آمنة، كما أن الظروف المعيشية لا تسمح بعودة اللاجئين، فضلاً عن أن الدولة السورية، تقوم بمضايقة العائدين واعتقالهم، لكن كل ذلك لا أساس له من الصحة، فالدولة السورية وعلى الرغم من الحصار المفروض عليها وعلى الشعب السوري، إلا أنها حتى الآن، تسعى جاهدة لتأمين مستلزمات الشعب السوري، وعلى الأصعدة كافة.

حقيقة الأمر، فقد بدت فكرة عودة اللاجئين السوريين طوباوية بامتياز، ولا يمكن وصف مشهد عودة اللاجئين حالياً في حال تحقّق سوى بالمعجزة، لكنها معجزة حققتها الدولة السورية بكافة هيئاتها ومؤسساتها، واليوم نشاهد عودة اللاجئين السوريين في لبنان إلى وطنهم، ونلاحظ جلياً أن الدولة السورية، قد عملت على تأمين مراكز إيواء تحتوي على كل التجهيزات الحياتية والمعيشة، على الرغم من وضع الاقتصاد السوري، لكن دمشق تدرك، أن عودة اللاجئين يعني في المضمون، عودة بعض المهن والمصالح والتي ستتمكن من رفد الاقتصاد السوري بمقومات هامة، الأمر الذي سيُعيد للإقتصاد السوري آلقه، وسيكون أيضاً عاملاً مساعداً على التصدي لعناوين الحصار على سوريا.

لا يمكننا إنكار أن الواقع الخدمي المأزوم يقابله واقع سياسي أكثر تأزماً، لكن ثمة خطوات متعدة تسهم في عودة اللاجئين وأهمها، دولياً هو رفع الحصار والعقوبات التي تستهدف ليس الحكومة بل الشعب السوري كله، ودعم عملية إعادة الإعمار والمساهمة بها، وعلى المجتمع الدولي أن يقوم بمساعدة السوريين، للوصول إلى حل سياسي ينسجم مع مصالحهم وينهي هذه المأساة المستمرة.

ختاماً، مرة جديدة تُثبت الدولة السورية قدرتها على إدارة أعقد الملفات، كملف اللاجئين السوريين، وتُثبت أيضاً قدرتها على سحب تلك الورقة من سياق التداول الإقليمي والدولي، ومنع استثمار السوريين في أي بازار سياسي، ويكفي أن دمشق أصدرت العديد من مراسيم العفو، تسهيلاً لعودة اللاجئين إلى قراهم ومدنهم، وهذا ما يؤكد بأن دمشق كانت وما زالت، تفتح ذراعيها لأبنائها أينما كانوا، ومهما كانت أفعالهم، وعلى الغرب أن يدرك، بأن دمشق ستنهض بأبنائها دائما وأبدا.

*كاتب واعلامي وخبير في شؤون الشرق الاوسط من سوريا 

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...