زيد عيسى العتوم
كان يوماً يتناوب على رقعته الربيع والخريف, السماء فيه لوحةٌ أكملتها أنامل الطبيعة قبل قليل, والشمس لا تنفكّ تتوارى خلف تلك السحب البيضاء على استحياء, ولولا تلك الجبال الشاخصة بأبصارها حولي لتوهّمت قربي من شاطيء البحر, لكنني رُغماً عنها قد أحسست به واستنشقت نسماته المتواترة, تمنيت حينها أن أربط دقائق العمر بجسدي فأسلبها حق المسير, أو أن أحنّط بضعة من أطراف الحياة حتى لو تطلّب ذلك أن أتحوّل الى مجرد صنمٍ صامت, أجبرتي الروعة على إطفاء تلك اللوعة, فعقدت العزم على احتساء رشفة صغيرة من ذلك الجمال الرهيب.
أوقفتُ سيارتي قرب تلك الطريق المائلة, ترجّلت منها طمعاً بلذّة ما رأيت, كان ارتفاع المكان ساحراً, واقترابي من حافة ذلك المنحدر يشعل ويهزّ أنفاسي المتحفّزة, كانت الحافّة المطلّة على ذلك الوادي السحيق مسيّجةً بزوجٍ ممتدٍ من القضبان العريضة واللامعة, تحمي المارّة وربما الفضوليين من خطر الانزلاق الى القاع السحيق, لكن بضعة أمتار من ذلك السياج الحاني لم تكن في مكانها كغيرها, أدرت بوصلتي صوب تلك القطعة الناقصة, ربما لمزيدٍ من المغامرة أو للظفر بإطلالة مميزة, وقفت عندها كما لو كنت سيّد هذا العالم, لم يعكر صفوي أو يقطع عزلتي سوى بعض السيارات المتسارعة بعيداً من ورائي, تمنيت لو أجمع رحيق ذلك المكان دفعة واحدة في أحشائي, أو أسجن تلك الصورة المذهلة لتتربع أزلياً في قلبي, شعرت أنني طفل تائه في أحلامه, لا يملك اسماً ولا يحتضن أيّ ذاكرة, كان كل شيء بمنتهى الإبداع.
وبينما أنا بين صحوتي وغفوتي الناعمة, سمعت صوتاً متصاعداً يمخر عباب مشهدي, حاولت تجاهله لكنه عاود تكرار فعلته مرة أخرى, أدركت بعدها أنه صوت هاتفي المستلقي قرب مقعدي في السيارة, أردت إدراكه فركضت صوبه مسرعاً لتلبية ندائه, وبينما أنا أفعل ذلك كانت سيارتان متقاربتان تسيران بتمهّل بمحاذاتي, لم تستوجب تلك العيون المحدّقة بي منهما أي مبالاة تُذكر, ولم تحتاج تلك الرؤوس الملتفّة صوبي أي تحسّب مني أو سؤال, جلست في سيارتي وبدأت بمحادثة شقيقي الأصغر مبتسماً, لم أشعر بما حولي فقد كان الكلام شيقاً والزجاج من حولي مغلقاً, ثم أزحت عيوني الى ذلك المكان الذي تركته لتوّي, لقد توقفت تلك السيارتان فجأة وتُرِكت بضعة من أبوابها مشرعة, وأسرع من فيها بالهرولة الى تلك الثغرة الخطيرة, كانوا يحاولون النظر والتفحّص باتجاه أسفلها, ثم يتبادلون أطراف الحديث بينما وجوههم يغشاها الحزن والتأثر, ثم توقّفت سيارة أخرى بالقرب منهم, خرج منها رجلٌ وامرأة وثلاثة فتية يرتدون ثياباً متشابهة, اقترب القادمون ممن سبقهم بسرعة كبيرة, أخذ الرجل يشير بيده ربما لأبناءه بضرورة الابتعاد عن تلك الحافة فاغراً فاه من الخوف, جلست المرأةُ خلف زوجها المستكشِف يصرعها الحزن والترقّب, واستلّت بيدها اليمنى منديلاً لتجفيف دموعها المنهمرة تارةً, ثم تنظر الى زوجها الذي ربما سيجلب لها الحقيقة والبيان تارة أخرى, طلبتُ من شقيقي التريث قليلاً لمحاولة فهم ما يدور حولي, وفجأة توقفت سيارة طاعنة في عمرها, ترجّل منها رجلٌ كهلٌ ذقنه بيضاء وطويلة, يرتدي ثوباً أبيضاً وعمامة خضراء باهتة اللون, اقترب منهم وحادثهم قليلاً ثم رفع يديه الى السماء خاضعاً متضرّعاً, فتزاد وتيرة تساقط الدموع من تلك المرأة المغلوبة على أمرها, وما هي الا دقائق معدودة حتى اكتسى المكان بعشرات السيارات وأضعافها من الناس, بعضهم ينظرون الى تلك الهاوية, وبعضهم يهاتفون غيرهم ويتحركون بعشوائية مريبة, بعض النساء تواسي غيرها, وبعضها تراقب خطوات صغارها, وبعضهم يشربون الماء ثم يخاطبون السماء بعد ارتوائهم.
رغبتُ بمغادرة تلك العبثية المفرطة كأنني أبصرها من عالم آخر, وسئمتُ جنون ذلك المسرح الفوضوي وأنا أشاهده من وراء زجاجي, اقتربتُ بسيارتي من أحد الراكضين مستفهماً عما جرى ويجري, استجمع المسكين أنفاسه ثم خاطبني: ” لا بدّ أن حادثاً مروعاً قد وقع قبل قليل, وهذا ما يفسر اختفاء تلك القطعة المعدنية الناقصة, لا بدّ وأن تلك السيارة الهالكة قد هوت الى أسفل الوادي, ربما يكون فيها نساء وأطفال, أظن أن من فيها قد لقوا حتفهم جميعاً, اعذرني يجب أن أذهب الى هناك الآن, أرجوك أن تدعو لهم بالرحمة!!”.





