د.الحبيب ناصري.
عديدة، هي السنوات التي يقضيها المتعلم داخل أسوارالقسم/المدرسة. طيلة هذه السنوات، وهو يتعلم فقط محتويات دراسية للحصول على نقطة تؤهله للقبض “على منصب شغل”، في القطاع الخاص أو العام، وهو اليوم الهاجس الأول والأخير لكل من له صلة بهذا المتعلم. طيلة هذه السنوات والأسرة التربوية والإدارية والسياسية(الدولة) وأيضا أسرته الخاصة، وغير هذا، الكل يبذل مجهودات كمية ونوعية من أجل توفير مقعد وما يرتبط به من خدمات لهذا المتعلم. كل هذا، وفي نهاية المطاف يضع المتعلم بعد “اكمال” دراسته ، كتبه أو دفاتره المدرسية في علبة كرتونية، متخلصا منها ومن “رمزيتها”، مرتميا في سوق الشغل ، وبهذا تكون المدرسة قد “أنهت” مهمتها ليجد المتعلم نفسه أمام أسئلة عديدة غير تلك التي كان يجيب عنها في الامتحان والفروض، الخ. أسئلة حقيقية ومصيرية يواجهها بمفرده (أعزل)، وكان على مدرسته ومنظومته التربوية أن تدمجه فيها وهو بين يديها طيلة تلك المسيرة الدراسية. في العديد من المرات يدفع ثمن جهله لهذا الاحتكاك الأول الذي يقع بينه وبين الحياة، هو جاهل لهذه الحياة. فصل عنها طيلة زمن تعلمه، بل وقد عزل عنها وقيل له إنها” خايبة” !. هو غير مؤهل لها وغير مدرك لخباياها وخلاياها وخفاياها.علمته المدرسة وفي أحسن الحالات ان يقرأ ويكتب ويجيب عن أسئلة أخرى تهم تخصصًا من تخصصاته المعرفية والعلمية الخاصة بمحتوى دراسي معين. لم تعلمه مدرسته فن العيش.لم تعلمه كيف عليه أن يعيش ويفهم الحياة ويتموقف فيها ولها وبها. مدرسته كانت منشغلة فقط بمحتويات دراسية معزولة عن عيشه وحياته !. المدرس والمفتش والمدير وكل الطاقم الإداري والتربوي وعائلته أيضا، أدوا دورهم كما طلب منهم، وهذا مجهود مهم لا ينبغي أن ننكره، لكن لم يربطوا بين تعلماته ومحيطه المجتمعي. لم يبنوا قنطرة تجمع بين ما يتعلم وحاجياته المتعددة التي كان يقمع أحيانا حينما يطرحها للنقاش . هو داخل القسم من أجل مهمة واحدة. ان يتعلم محتويات مقررة. اما كيف يعيش ويتلذذ الحياة ويواجهها إن قست عليه، فهذا درس عليه أن يتحول فيه إلى مدرس لنفسه.فن العيش، درس غائب من دروس مدارسنا من البداية إلى النهاية . متى تنفتح مدارسنا على ” مقرر” دراسي اسمه فن العيش ؟. فن الحياة !. لازال أمام منظومتنا التربوية ليس في مغربنا العزيز فقط، بل في محيطنا العربي، ككل، مسافة أخرى عليها أن تقطعها لتزود متعلمها بحاجيات عديدة نوعية لا تؤهله فقط لسوق الشغل بل أيضا لسوق الحياة. عليها وهي تعلمه القراءة والحساب وغير هذا، أن تعلمه قراءة وحساب ما يجري في الحياة. أريد كمتعلم أن أتعلم المعلومة وأتعلم معها كيف أعيش؟. كيف أستمتع بهذه الحياة.





