مصر بلا أرز: السلعة الحيوية تختفي من الأسواق وسط سخط المواطنين

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

عادل صبري

 

اختفى الأرز المصري من الأسواق بعد ساعات من تطبيق قرار رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، اعتبار سلعة الأرز من “المنتجات الاستراتيجية وبالتالي حظر حبسها عن التداول، سواء عبر إخفائها أو عدم طرحها للبيع أو الامتناع عن بيعها”، ووضع حد أقصى لسعر البيع لا يتجاوز 18 جنيهاً للكيلوغرام.

وبيّنت جولة مواطنين يبحثون عن الأرز من دون جدوى، بعد أن كان يوزع بكميات لا تتعدى 3 كيلوغرامات للفرد، حيث فضل التجار الابتعاد عن التعامل بهذه السلعة خوفاً من المساءلات الأمنية والأجهزة الرقابية، رغم زيادة الحكومة السعر الجبري من 15 جنيهاً في المتوسط إلى 18 جنيهاً حداً أقصى للبيع.

بذا، افتقدت أرفف محلات السلع الغذائية الأرز الذي كانت تعرضه بسعر يتراوح ما بين 21 جنيهاً للحبة الرفيعة و23 جنيهاً للأبيض العريض، و18 جنيهاً للكيلو السائب بالأسواق خلال الأيام الماضية.

وفيما يعتبر إنتاج الأرز المصري كافياً لتلبية الحاجة المحلية، كلّفت الحكومة عقب اجتماعها، مساء الأربعاء الماضي، مفتشي وزارة التموين وضباط المباحث العامة والتموين بالحضور في المضارب الخاصة (مراكز تقشير الأرز) التي تسيطر على 65 في المائة من أعمال تبييض الأرز، للإشراف على عمليات الإنتاج وضمان توزيعه للجهات التي تحددها الدولة بسعر يتراوح ما بين 10.5 جنيهات إلى 14.5 جنيهاً.

ولجأت المضارب الكبيرة والصغيرة المنتشرة بالقرى إلى التوقف عن استقبال المحصول من المزارعين والتجار والموردين الذين يطلبون 13 ألف جنيه لطن الأرز الشعير الرفيع، و14 ألفاً للعريض، وهو ما تعتبره المضارب أسعاراً لا توفر لها الأرباح العادلة.

تراجع المعروض
وأدى اضطراب العمل بالمضارب إلى تراجع شديد بالأرز المعروض في الأسواق، خاصة أن حركة التشغيل كانت أشد اضطراباً منذ بداية موسم الحصاد، حيث تصر الحكومة على توريد 25 في المائة من الإنتاج إلى الدولة بسعر قسري، تحرك تدريجياً من 11 إلى 13 جنيهاً لكيلو الأرز الأبيض بانخفاض 5 جنيهات عن القيمة العادلة التي يطلبها المزارعون والموزعون، ومن ثم رفعته إلى 18 جنيهاً لإرضاء المزارعين والتجار.

وأمام تزايد الضغوط من المستهلكين، وعد وزير التموين والتجارة الداخلية علي المصيلحي بزيادة المعروض من الأرز التمويني لتوزيعه على حائزي بطاقة الدعم بسعر 10.5 جنيهات للكيلو وبيعه بسعر 14.5 جنيهاً بالمجمعات الاستهلاكية التابعة للوزارة. وتقرر طرح 5 آلاف طن من الأرز يومياً توزع من خلال 1300 فرع للسلع التموينية، تمثل نسبة ضئيلة من الاستهلاك اليومي للمواطنين، مع دخول موسم الشتاء وتفضيل الأكلات الشعبية المليئة بالمواد النشوية الكربوهيدراتية الرخيصة.

ويأتي الخبز والأرز والبطاطس على رأس الأغذية التي توفر المواد الكربوهيدراتية والبروتين النباتي، بنسبة 60 في المائة من مكونات الطعام، وفقاً لتقارير منظمة الفاو وخبراء التغذية. وأصاب النقص الحاد من الكميات المعروضة للأرز في الأسواق المواطنين بالسخط، مع تصاعد معدلات الغلاء في السلع الغذائية كافة والرئيسية خلال الأسبوعين الماضيين، بالتزامن مع تدهور قيمة الجنيه، وزيادة تكلفة الزراعة والنقل والتشغيل في المصانع والشركات، وعدم قدرة الحكومة على شراء مستلزمات السلع من منافذ الإنتاج الخاصة بأسعار مقبولة من المنتجين.

حالة طوارئ
ولفت أحد الاقتصاديين إلى أن الحملات الأمنية لمواجهة نقص السلع الاستراتيجية مصيرها الفشل، مؤكداً أن الحكومة جربتها من قبل في أزمات كثيرة ولم تصل إلى نتيجة كونها تهدر حقوق المنتجين في الحصول على أسعار عادلة، بينما تفرض أسعار الخدمات والسلع التي تبيعها وفقاً لإرادتها بقوانين ممارسة احتكارية غير دستورية لا تناسب آليات السوق.

ووجهت وزارة التموين إنذارات شديدة اللهجة إلى مضارب الأرز بالمحافظات لإجبارها على التعاقد مع وزارة التموين خلال 48 ساعة، وفرضت عليها الالتزام بتوريد الأرز الأبيض لمديريات التموين في عبوات زنة كيلوغرام واحد، مع عدم جواز نقل الأرز الأبيض خارج المحافظة المنتجة له إلا بتصريح من المديرية المنقول منها الأرز.

وقرر المصيلحي تشكيل لجان تفتيش بكل مديرية تشمل مفتشي التموين، وضباطاً من المباحث العامة والتموين، وعضواً من الهيئة القومية لسلامة الغذاء، ومفتشاً من حماية المستهلك للعمل على تطبيق القرارات المنظمة لتداول الأرز.

وأكد رئيس قطاع التجارة الداخلية بوزارة التموين عبد المنعم خليل، في تصريحات صحافية، فرض حالة الطوارئ في جميع الجهات الرقابية ومديريات التموين لمواجهة الاحتكار ومنع التلاعب في سوق الأرز، وفرض عقوبة على المخالفين تصل إلى مليوني جنيه. وتشمل إجراءات الطوارئ تطبيق المادة 8 من قانون حماية المستهلك الصادر بالقانون رقم 181 لسنة 2018، التي تحظر حبس تداول أي سلعة أو إخفاءها بعدم طرحها للبيع أو الامتناع عن بيعها بأي صورة أخرى.

ويعاقب كل من يخالف القرار بالحبس لمدة لا تقل عن سنة وغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تتجاوز مليوني جنيه، أو ما يعادل قيمة البضاعة المصادرة موضوع الجريمة أيهما أكبر، وفي حالة العودة إلى الممارسات ذاتها يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تتجاوز 5 سنوات، وتتضاعف قيمة الغرامة بحديها.

تمدد الأزمة
وطلبت أجهزة سيادية من مسؤولي الصحف وأجهزة الإعلام، عدم تناول شكوى المواطنين الباحثين عن الأرز والسلع الاستراتيجية، وحظر النشر عن حالات الانتحار التي ارتفعت مؤخراً، على خلفية عدم قدرة العائلات على مواجهة الغلاء وإعالة ذويهم.

وتمتد الأزمة إلى القطاع السياحي، حيث تحتاج الفنادق والمنشآت السياحية 300 ألف طن من الأرز أصناف “بسمتي” و “أرز الياسمين” المستورد، ولكن يندر وجود هذه الأصناف حالياً، لعدم قدرة البنوك على توفير العملة الصعبة لشرائها من الهند وباكستان وفيتنام وبنغلاديش.

ويشرح خبير اقتصادي أن إمكانات الحكومة في مواجهة الغلاء والرقابة على الأسواق تظل هشة، لعدم امتلاكها القدرات المالية والطاقات التي توفر السلع الضرورية اليومية للمواطنين، التي تتحكم فيها آليات العرض والطلب، والممارسات الاحتكارية لبعض التجار والموردين.

في السياق ذاته، ارتفعت أسعار الحليب السائب والمعلب والجبن بنسبة 10 في المائة خلال الأسبوع الحالي، وفق جولة لـ “العربي الجديد”، وصعد سعر كيلو الفول المدمس من 70 إلى 78 جنيهاً والمجروش إلى 42 جنيهاً، وكيلو العدس الأصفر يتراوح ما بين 70 و 76 جنيهاً، والحلاوة السادة 63 جنيهاً، والبيض ما بين 85 إلى 90 جنيهاً، والمكرونة ما بين 35 إلى 50 جنيهاً للكيلو.


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...