ويدوز باي.. مسلسل عن اللعنة التي تتوارثها الأجيال

إيطاليا تلغراف متابعة

تبتعد مسلسلات الرعب الأمريكية في السنوات الأخيرة عن الصيغ التقليدية القائمة على الوحوش والمفاجآت السريعة، لتتجه أكثر نحو الأجواء النفسية الثقيلة، والمجتمعات المنعزلة، والأساطير المحلية، وتضع أمام المتفرج استعارات عن الخوف والعائلة والعزلة.

ويعد مسلسل “ويدوز باي” (Widow’s Bay) أحد هذه الأعمال، وهو من أحدث إنتاجات “آبل تي في بلس” (+Apple TV)، ويجمع بين الرعب والكوميديا السوداء والغموض، ويراهن منذ حلقاته الأولى على بناء عالم غريب ومقلق، أكثر من اعتماده على الرعب المباشر.

بدأ عرض المسلسل في أبريل/نيسان 2026، ويتكون من 10 حلقات، وهو من ابتكار كاتي ديبولد، المعروفة بمزجها بين الكوميديا والرعب، بينما يتولى إخراجه وإنتاجه هيرو موراي، صاحب الأسلوب البصري المميز، وهو من بطولة ماثيو ريس وكيت أوفلاين وستيفن روت وديل ديكي.

 

حين يصبح المكان وحشا

تدور أحداث “ويدوز باي” في جزيرة نائية، منغلقة على ذاتها، لا تقوم بدورها كمساحة جغرافية فقط، بل هي الوحش الحقيقي الذي يبتلع السكان، ويشكل هوياتهم ومصائرهم وفق قوانينه الخاصة.

تدور حول جزيرة “ويدوز باي” الكثير من الأساطير المخيفة، أهمها أن المولودين داخلها لا يستطيعون مغادرتها أبدا، لأن الخروج يعني الموت، وهي الأسطورة التي يصدقها السكان سرا، فعندما تواجههم بها يضحكون بارتباك، كما لو أنها دعابة غبية، لكنهم، في الوقت ذاته، لا يجرؤون على ركوب العبّارة إلى البر الآخر.

وتلك الأسطورة غيض من فيض الأساطير التي يعلمها سكان الجزيرة وينقلونها بين الأجيال بإخلاص كبير، وتحول فكرة الوطن إلى سجن ما ورائي مغلق، فعندما يولد الإنسان داخله يصبح محكوما مسبقا بمصيره، دون أي فرصة حقيقية للهروب.

وفي قلب هذه الجزيرة نتعرف على العمدة لوفتيس (ماثيو ريس)، الذي لا يؤمن بهذه الخرافات، التي تصيب الجزيرة بالكساد الاقتصادي وحتى النفسي، ويحاول كسر الأساطير، غير أن الوضع ينقلب عليه عندما يفعل ذلك.

هذه الفكرة تجعل المسلسل قريبا من ثيمات الرعب الفولكلوري (Folk Horror)، التي لا تعتمد على الوحوش التقليدية، إنما على قصص المجتمعات المنعزلة والأساطير المحلية التي تتحكم في حياة الناس، وفيها يصبح الرعب نابعا من المكان والتاريخ.

ويضيف المسلسل إلى هذه الثيمات الفولكلورية جانبا آخر أكثر حداثة، وهي العزلة التكنولوجية المفروضة على سكان الجزيرة، فهم لا يلتقطون شبكات الواي فاي رغم أنهم يعلمون بوجودها، والمكالمات الهاتفية العادية أكثر صعوبة من المعتاد، لتبدو الجزيرة كما لو أنها خارج الزمن تقريبا؛ مجتمع صغير مغلق وضعيف الاتصال بالعالم الخارجي، تحيط به المياه والضباب، كما لو أن البحر نفسه يعمل كحد فاصل بين الحياة والموت.

وجانب آخر من جاذبية المسلسل يتمثل في رسم شخصية العمدة لوفتيس، الذي يهدم صورة “البطل المنقذ” المعتادة؛ فلوفتيس ليس قائدا شجاعا، أو رجلا يسيطر على الموقف، بل شخصية قلقة ومرهقة ومتناقضة طوال الوقت.

ويبدو دائما كما لو أنه يحاول إقناع نفسه قبل الآخرين بقدرته على إدارة الأزمة، بينما يدرك في سريرته أن الجزيرة أكبر منه، وأن السلطة التي يمتلكها هشة وشكلية، وهشاشة لوفتيس هذه هي انعكاس لهشاشة السلطة نفسها داخل المجتمعات الصغيرة المغلقة، فلا يستطيع العمدة أو غيره التفوق على الخوف الجماعي والأساطير الراسخة في قلوب السكان.

لكن ما يجعل شخصية لوفتيس مأساوية فعلا أن كل أفعاله مدفوعة بحب أبوي حقيقي، فهو لا يحاول تحسين حال الجزيرة وجذب السائحين من أجل المال أو النفوذ، بل لأنه يريد بناء “حياة طبيعية” لابنه المراهق إيفان، الذي وُلد داخل الجزيرة وأصبح محكوما بالبقاء فيها للأبد، ويحاول لوفتيس جعل سجنه الكبير أكثر قابلية للعيش فيه، وظرفا يمكن التعايش معه، وسجنا أكثر احتمالا.

مجتمع يحرس لعنته

ما يميز “ويدوز باي” عن كثير من أعمال الرعب المعاصرة أنه لا يتعامل مع الشر ككيان خارجي يمكن هزيمته أو احتواؤه، بل كنظام حياة متكامل، متغلغل في طبيعة المجتمع. فالمسلسل ينتمي إلى موجة رعب أمريكية لم تعد تخاف من الوحوش بقدر خوفها من المجتمعات المغلقة، ومن تحوّل الخوف إلى جزء طبيعي من الحياة اليومية.

هنا لا يوجد “وحش” واضح يمكن قتله لتنتهي الأزمة، لأن اللعنة نفسها جزء من بنية الجزيرة الاجتماعية والنفسية، والسكان لا يحاولون القضاء عليها، إنما التعايش معها، ما يجعل المسلسل قريبا من مسلسلات مثل “فروم” (From) و”قداس منتصف الليل” (Midnight Mass)، وفيها يصبح المجتمع نفسه متواطئا مع الرعب، ويعيد إنتاج خوفه عبر الأجيال، كما لو أنه يحرس اللعنة بدلا من مقاومتها.

ولا يعتمد “ويدوز باي” كذلك على المفاجآت البصرية، إنما على التوتر المستمر، ويصبح المشاهد طرفا في اللعبة: هل بالفعل هناك لعنة؟ هل ستعمل بهذه الطريقة؟ أم أن كل ذلك مجرد كذبة؟ خصوصا أن سكان الجزيرة يتحدثون عن اللعنة كأنها الطقس أو الجغرافيا، لا كشيء استثنائي يجب البحث عن حل له، وتصبح الجزيرة استعارة عن مجتمعات كاملة تعيش داخل أنظمة مغلقة وفاسدة، وتتعامى عن فسادها لأنها لا تتخيل بديلا آخر.

ومن أكثر أفكار المسلسل قوة أن الجزيرة نفسها لا تريد أن تُشفى، فكل محاولة لتطويرها أو تحديثها تنتهي بكارثة جديدة، وكأن المكان يعاقب أي محاولة لتطبيعه أو تحويله إلى مساحة قابلة للحياة الطبيعية، ومحاولات العمدة للترويج للسياحة تصبح اقتحاما لعالم مغلق ومقدس وملعون، الأمر الذي يستدعي العقاب.

ولهذا يمكن مقارنة المسلسل مع العمل الأيقوني “توين بيكس” (Twin Peaks) للمخرج ديفيد لينش، الذي بدأ بجريمة قتل وانتهى ببلدة ملعونة مليئة بالأسرار المخيفة، واستعارة عن المجتمع الأمريكي من الطبقة الوسطى، الذي يبدو مثاليا لأول وهلة قبل اكتشاف عيوبه الفادحة. لكن “ويدوز باي” يختلف عن “توين بيكس” في كون الأخير أكثر تجريدا وسريالية وغموضا، بينما يميل “ويدوز باي” إلى العاطفية والإنسانية، مع ارتباطه بفكرة العائلة.

وعلى الجانب الآخر، يعتمد كلا العملين بقوة على فكرة البلدة الصغيرة المليئة بالشخصيات الغريبة والكوميديا السوداء، وربما لهذا السبب يبدو العمل جزءا من اتجاه أوسع داخل الرعب المعاصر، أصبحت فيه الغرابة كما لو أنها “نوع” (Genre) مستقل، يبدو فيه العالم مختلا بصورة لا يمكن إصلاحها.

التقييم العام:

  • الإخراج: 4.5
  • التمثيل: 4.5
  • المؤثرات البصرية: 4
  • صديق العائلة: 4.5

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...