جرائم يحاسب عليها التاريخ

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

مصعب البدور.

 

 

شهدت الحياة شرائع وقوانين متنوعة، شرائع إلهيّة وأخرى وضعية، بعضها قديمة موغلة في القدم ومنها المحدثة المعاصرة، ولأن هذه الحياة مترعة بالأحداث، ولدت هذه القوانين والشرائع، لتصون الحقوق ولتردع الظلم، فالقانون يضع حدود الصواب من الخطأ، وتمثل العقوبة الجزء الرادع للظلم بأنواعه، وأما الأديان فكانت لتنظم الحياة الدنيا والآخرة وفي طياتها ناظمات للحياة تصون الحقوق وتحفظ النفوس وتدين الخطأ، والحقيقة أنّ النفس تثور فيها تساؤلات عن ما نعايشه من جرائم يعجز القانون عن وضع حد لها ، مادامت الشرائع موجودة، والقوانين بين أيدينا فمن أين تأتي الجرائم؟ وما أسبابها؟ وهل لها من نهاية؟ لكن الواقع يصدم العقول بالإجابات، إذا لا مبرر لأي منها، ولا نهاية تلوح في الأفق، لذلك كان لا بد أن نتعرف هذه الجرائم والجنايات بأشكالها المتعددة في حياتنا المعاصرة.
أمّا النواميس الكونية فلها موقف مختلف، فالجريمة التي لا يعاقب عليها القانون، لا بد أن يعاقب عليها التاريخ فالتاريخ يفضح ويعري ويخلد المجرمين ويبقى ذمهم قائم حتى تصل المظالم إلى العدل المطلق جلّ في علاه، لعلنا نعرف كثيرا من الجرائم التاريخيّة، وتجرعنا ألم المعاصرة منها وإننا نذكرها في محاولة لوصفها بحقيقتها علّ الكلمات تكسر النظارات السوداء التي يضعها كثير منّا.
أنماط جرميّة متعددة

• تجويع الشعوب وتجهيلهم:
إن تجويع الشعوب وتجهيلهم، من أكبر الجرائم التي عصفت بها ساحات الوطن الكبير من المياه إلى المياه، وهي جريمة لم يحاسب عليها القانون، إنما سيحاسب عليها التاريخ، فأقوات الناس وحياتهم آخر ما ينظر إليه، فمن مستوردات لا تصلح للاستعمال البشري إلى ماء المجارير غير المعالج وغيرها، واحتقار المعلم، وتحطيم المناهج، وبناء تعليم، والأميّة المقنعة واختراع مسارات جامعية لا علاقة لها بالعمل ولا بأسواق كلها جرائم سيحاسب التاريخ مقترفيها.

• تكميم الأفواه:
سمعنا في صغرنا عِبْرَةً مروية عن عمر رضي الله عنه، كنّا نظن أنها تقال تحقيقا _ رحم الله امرأ أهدى إليّ عيوبي_ كبرنا واكتشفنا أنك إن أخبرت مسؤولا بعيبه، أو طالبت بالحق، أو تكلمت عنه؛ فأنت متهم، وإن اعترضت على فساد، أو انتقدت سلوكا؛ فأنت مجرم تستحق العقوبة، وإنها لمن أغرب الغرائب في هذه الحياة، أن يٌسْحَق المعبرون عن آرائهم وأن تكال لهم التهم، ثم يزجون في السجون.

• تسليم رقبة الأمة للعدو
لا يعيب الأمة أن تخسر حربها أمام أعدائها، مادامت خاضت معركتها بشرف، وما دامت فارسا خرج بنفسه فلم يعد، ولا يعيبها أن تتكاثر عليها الأمم، وأن يتآمر عليها الغريب، أو أن يكيد لها الطامع، إنما الجرم والجناية ما يجره أبناء الأمة عليها، فالجريمة لا تقتصر على الخيانة، ولا تقتصر على الاستسلام، ولا تقف عند ترك محاربته، أو التخلي عن أبناء الأمة وهم عزّل وكشف ظهورهم للعدو، لكن الجريمة التي سوف يحاسب عليها التاريخ، تسليم رقبة الأوطان والشعوب لأعدائهم، فمن يدعم اقتصاد عدوه وهو في الوقت ذاته يحارب شعبه في لقمتهم مجرم وجان، ومن يقدم للعدو ما يقويه على أبناء جلدته، جبان، فماذا يعني أن نعطي الغاز لعدونا ليكرره ثم يبيعه لنا ولغيرنا، وماذا يعني أن نترك للعدو مواردنا المائية، ثم بعد ذلك نشتريه منه، ونبقى تحت رحمته، ماذا يعني أن نولد الطاقة لعدونا، هذه جرائم لا تضاهيها جريمة.

• تفرقة الشعوب وخلق النعرات
العنصرية الغريبة، التي تجدها في بلادنا، لن تجدها في مكان آخر، لأن العنصرية في كل مكان راجعة إلى الاختلاف في اللون أو العرق أو الدين، لكن العنصرية في بيئاتنا تجدها بين أصحاب العرق نفسه والدين ذاته، واللون عينه، فلقد وصلنا إلى مرحلة تصديق الخطوط الوهمية على الخريطة، وصرنا نصنف جنسيات وجوازات، والجريمة هنا، تكمن في تغذية هذه العنصرية، وتكبيرها بالممارسات العملية، في كل الأماكن فتخويف الناس ببعضهم، وخلق معايير للتوظيف بناء على الجغرافيا، وفتح بعض مسارات حصريا في جريمة وتقديم عنصر على عنصر، وتنمية الانتماء إلى حدود رسمها غريب باستعمال المسطرة والقلم.

إننا نعيش جرائم كثيرة يصعب حصرها، لم يحاسب القانون مرتكبيها، لكن التاريخ بكل تأكيد سيحاسبهم،

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...