لذة التعلم .

 

 

 

 

 

*د. الحبيب ناصري

 

هل من الممكن البحث عن أشكال جديدة للتعلم ؟. لماذا بمجرد إنهاء الامتحانات، نجد المتعلم يبحث عن التخلص من دفاتره وكتبه المدرسية والبحث عن أشكال أخرى لتحقيق متعة أخرى غير التعلم ؟.

لماذا لا زالت مدارسنا غير جذابة طيلة السنة الدراسية ؟. هل من الممكن توليد لذة التعلم لدى المتعلم بجانب طبعًا بحثه عن” أغراضه” التي من أجلها وجد في المدرسة ؟. هل التعلم فقط من أجل الشغل ام من الممكن “ضرب” عصفورين بحجرة واحدة ؟. لذة التعلم، في اعتقادي، هو النص غير الحاضر بقوة في بناء تعلماتنا. يكفي، تتبع ما يفعله المتعلم بعد إنهاء آخر حصة من الامتحانات بلوازمه المدرسية. في أحسن الحالات يتخلص منها بوضعها في علبة “كارتونية” داخل المنزل وفي زاوية من زواياه المظلمة في انتظار أن تنال نصيبها من الغبار، وليتم التخلص منها نهائيًا ولاحقًا برميها أو حرقها. هل نقوم بأرشفة دفاترنا وكتبنا المدرسية أم التخلص منها كحالة سيكولوجية هو الثابت؟.كل ما طرح سابقا هو مؤشر على عدم تمكننا من تحقيق لذة التعلم. هي لذة تجعل المتعلم يستمر في تعلمه داخل وخارج المدرسة. لذة تحوله إلى ممارس لحقه/شطحاته بمعناها الصوفي وهو في مدرسته، وليس ممارسًا لشطحات شغب معبر عن عدم رغبته في البقاء داخل المدرسة لكونه لم يجد فيها ما يجذبه وينسيه انتظار دق الجرس. أعتز بكوني أنتمي إلى جيل كانت المدرسة فضاء”مقدسا”، والمدرس رمزًا يوجد “الفوق” ونحن “التحت”، أما المعرفة فهي معشوقتنا ومحبوبتنا التي لا نشبع من الاستمتاع بها. كنا دومًا عاشقين ومتتبعين لتفاصيل حكي المدرس. لحظة التعلم كانت بالنسبة لنا لحظة صوفية بامتياز !. لحظة تلذذنا فيها التعلم وأحببناه حد التلبس به والتماهي معه وبه وله وفيه. معيار نجاح منظومتنا التفكير في كيفية تطويرها وتحديثها وجعل التعلم ممارسًا لسلطته التلذذية وهو ما من الممكن أن يجعلنا نربح العديد من الرهانات المرتبطة بالقيم والغايات والمرامي المنشودة والمبحوث عنها. حكاية كيفية البحث عن ترسيخ وارساء لذة التعلم لدى المتعلم، حكاية تبدأ من طرح الأسئلة الكبرى حول التعلم .

لماذا نتعلم ؟ كيف نتعلم ؟ أين وبماذا نتعلم ؟ ومن يعلمنا ؟، الخ…أسئلة لايمكن حلها بمقاربات تقنية صرفة رغم أهميتها، لكن التفكير العميق في سؤال لماذا نتعلم؟، يبقى، في اعتقادي المتواضع، سؤالا جوهريا وضروريا إن نحن أردنا، لا سيما في مجتمعاتنا العربية، ان تخطو خطوات حقيقية نحو المستقبل. رهان اصلاح جذري للتعلم وفق رؤية عميقة، هو اليوم ضرورة وحاجة مجتمعية في ظل عولمة تتبدل بشكل رهيب، وفي ظل رقميات “تبلع” الانسان وما خطه ومنذ قرون.

عشرات السنين قضيتها في التدريس والتكوين والبحث والكتابة، ودوما أسائل نفسي، لماذا لم ننجح في تعبيد الطريق لتسهيل عملية التعليم/التعلم؟. سؤال يذكرني في نهاية فيلم “المخدوعون” لتوفيق صالح. لماذا لم يدقوا الجدران ؟. لنطرح نفس الأسئلة، ولو في صيغتها البسيطة، لماذا لم ندق باب الاجتهاد والابداع في دروسنا ومحاضراتنا ؟. لماذا لم يستطع درس المدرس أن يكون حلوا سلسا؟. لماذا ولماذا ؟. أسئلة شاب الرأس ولازالت تفعل فعلها فيه.

*كاتب من المغرب

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...