بقلم زيد عيسى العتوم
بعيداً عن الغرق في روايات المؤرخين وحجج السياسيين, وسواء أكانت “الهولوكوست” رمزاً كئيباً للإبادة الجماعية, ومحرقة مؤلمة لأبرياء قد سقطوا بلا ذنب, أم كانت مسرحاً لنظريات المؤامرة المعادية للسامية, أم واقعاً مثبتاً أو محض خيال أو مبالغة, وسواء لفّ لفيفها ترحيل اليهود أو القضاء عليهم حينها, وسواء تعرّضت أعداد الضحايا لعمليات القسمة الطويلة أو الضرب المكرّر, تبقى في جعبة الأيام حكايا تُسرد, وعجائب يتبدى حُسنها لمن أراد بعد رفع الحجاب عنها, وهذه المرة توكل البطولة “لفتاة” في السابعة والتسعين من عمرها, فسبحان من يُحيي العظام وهي رميم!
في العام 2021 تنجح السلطات الألمانية في إلقاء القبض على “معمّرة” ألمانية عمرها يقارب المائة عام, وتباشر إحدى المحاكم الألمانية التحقيق معها بتهمة المشاركة في ” الهولوكوست”, فقبل ثمانين عاماً كانت تلك المحتجزة تعمل طابعة في إحدى معسكرات الاعتقال النازية لليهود, لذلك وصفها الإعلام الألمانيّ ب” سكرتيرة الشيطان”, فما كان من تلك المتهمة حينها غير محاولة الهرب طمعاً في النجاة, لتُفلح الشرطة الألمانية بعد ذلك في إلقاء القبض عليها وهي تتوسّد حافة أحد الشوارع الألمانية, ثم تبدأ المحاكمة لها مع بذل أقصى الجهود لإيجاد بضعةٍ من الناجين والمشتكين, فيموت عدد منهم أثناء تلك المحاكمة المليئة بالكهولة وعربات المسنين, أظن أن أشباح ” الزهايمر” كانت ترفرف فوق رؤوس الجالسين وقتها, تصمت تلك المرأة طيلة وقت المحاكمة لا تنبس ببنت شفة, ثم تخرج من صمتها العميق بجملة واحدة ” أنكر كل ما قيل عني, هذا كل ما لدي”, كل ذلك يجري تحت سمع وبصر إسرائيل ومراكز حقوق الإنسان اليهودية والمنظمات البحثية والتاريخية التابعة لها, ترقب ذلك الحدث المميز ربما بإدانة آخر المجرمين الأحياء والأموات معاً.
اضحكي يا فلسطين الحبيبة, فقد رحل هتلر لكنّ إحدى سكرتيراته ما زالت حيّة ترزق, وتسابقت السنون لكنّ دموع غيرك تأبى أن تجف, واسأليهم بعد ذلك عن مذبحة دير ياسين, ومذبحة قلقيلية ومذبحة كفر قاسم ومذبحة خان يونس, ومذبحة المسجد الأقصى ومذبحة الحرم الإبراهيمي, وأرجوكي أن لا تنسي مذبحة مخيم جنين!





