بُطلاننا وبُطولتنا! قصة قصيرة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*بقلم زيد عيسى العتوم

 

 

حطت أقدامي رحالها قرب حقيبتي المتكئة على رصيف موقف الحافلات, كانت الشمس تتلذذ بهزيمة من يجرؤ على الوقوف أمامها, والدفء لا يعرف غير الهستيريا ملاذا, وصوتٌ ناشز لصبي يبكي بعد أن انهال عليه والده بوابل من الشتائم المغرضة, ورجلٌ يحتضن كيساً مخططاً من الأقمشة كما لو كان يقبض على مفاتيح خلوده في الدنيا, وقطةٌ تقف بشموخ فوق حافة إحدى حاويات القمامة العرجاء, فمُها شبه محروق ووجهها يتلون بالأتربة حتى بالكاد يُعرف لونها الحقيقي, لكنها ترقب الحركات وتتحسس الأنفاس كقائدٍ يشاهد ساحة معركته, لكن كل ذلك لن يختطف مني سعادتي عند لقاء صديقي الذي أظنه ينتظرني بفارغ الصبر في المدينة الأخرى, سأمكث في ضيافته ثلاثة أيام بعد طول الغياب, ثم ما لبثت أن توقفت تلك الحافلة التي توشحت حوافها بالصدأ, أخرج سائق الحافلة رأسه من إحدى النوافذ فاغراً فاه يدعو الجميع للصعود بسرعة, وقد اندفع من فمه رشقات من اللعاب المتطاير كنافورةٍ ابتدأ عملها بكامل طاقتها, لم أبذل جهداً يستحق الذكر في الصعود, فقد ساقني اندفاع الكثيرين الى حيث شاءت الأقدار, تنفست الصعداء حينها قبل أن ألتفت الى الجهة اليسرى, كان يجلس بالقرب مني رجل بدين تتباعد أرجله عن بعضها بمنتهى الانفلات, يمسك بيده اليمنى قطعة من الورق يحركها بالقرب من وجهه المتصبب عرقاً, وبعد قليل جلست فتاة في عقدها الثالث على المقعد المحاذي لي من الجهة الأخرى, شعرت أنها تتلهف لإنطلاق الحافلة من كثرة النظر الى ساعة يدها, وما هي الا دقائق معدودة حتى كان لها ولي أيضاً ما تمنينا حصوله فحصل , وابتدأت تلك الرحلة التي أظنها ستكون مرهِقة بعض الشيء.

أغمضت عينيّ طمعاً في قسط عابر من الراحة, او ربما لتجنب النظر الى ما قد يعكر صفوي أكثر وأكثر, وفجأة يزيد الرجل المجاور لي التصاقه المباغت بي, ويقترب من أذني لمحادثتي بصوت منخفض رغم انعدام المعرفة بيننا.
الرجل: اعذرني على مقاطعة تأملاتك, أنظر الى تلك الفتاة قربنا, كم هي سافرة ومتبرجة!, ألم تجد في خزانتها بنطالاً وقميصاً محتشماً غير ما ترتدي الآن, ولماذا تترك شعرها الطويل مسترسلاً دون ربطه ولملمته, كم هي منفّرة برأيي!
نظرت اليها ثم نظرت اليه مبتسماً دون أن أنبس ببنت شفه, ثم أغمضت عينيّ مرة أخرى, وبعد قليل سمعت صوت حقيبة تُغلق ثم تنزلق بقوة الى الأسفل, ليعاود ذلك الرجل مخاطبتي همساً لكن هذه المرة بدون اعتذار, فلربما اختارني لأكون جليسه الصامت.
الرجل: أستغرب بحق من تلك الفتاة, لقد أخرجت من حقيبتها شطيرة كبيرة وعلبة كبيرة أيضاً من العصير الطبيعي على ما يبدو, لقد حوّلت الحافلة الى مطعم مصغّر, ثم الا تراعي مشاعر بعض الجائعين من الصبية من حولها, ما يهمها فقط هو امتلاء بطنها بالطعام, كم هي أنانية!
لم أعرف حينها ماذا أقول له, فابتسمت له للمرة الثانية, وقد شعرتُ وقتها بأن سماعي له فقط هو جلّ ما يريده, حيث لم ينتظر مني رداً قبل إدارة وجهه بسرعة الى الجهة الأخرى, ثم عدت الى محاولة النوم مرّة أخرى, لأسمع بعد قليلٍ صوت فتاة تتحدث مع غيرها, ثم ليقترب مني ذلك “الرفيق” متأففاً بشدّة.
الرجل: أرجوك أن تشاهد فعلتها تلك, لقد أخرجت هاتفها النقّال من جيبها الأيمن, وهي الآن تتحدث أظن مع والدتها تطمئنها على نفسها, وتشكرها على تلك الشطيرة التي التهمتها, إنها تتحدث بصوت يزعج من حولها ولا بد أنها قد أزعجتك أنت أيضاً, ثم إنها تُطيل بتلك المكالمة رغم أنها في حافلة ممتلئة بالمسافرين, صدقني لو كنت أعلم بوجودها قربنا لأخترت الصعود في الحافلة التالية, ولا يهمني انتظار ساعتين أخريين.

ضقت ذرعاً بذلك الرجل, فأغمضت عينيّ دون مجاملته ولو بربع ابتسامة باهتة قد أتصنّعها, وأقسمت أن لا أفتح عيوني صوبه مهما خاطبني, وسأحاول الغرق في النوم حتى أبتعد عن إطلالاته السخيفة, قمت بإنزال جسدي قليلاً لأظفر بسبات لطيف, أخذت جفوني تعلن استسلامها, وتُنكّس رموشي راياتها, وتحملني الغفوة بعيداً عن الدنيا وما فيها, انبرى قرب أذني ذلك البوق الهادر الغادر.
الرجل: يبدو لي أنك ستنام, ليس هناك أفضل من النوم طريقة لإراحة البدن وإفناء الوقت, حتى تلك الفتاة العابثة تنام الآن كما لو كانت تستلقي في سريرها, لم تسلم جارتها المسنّة من أذاها أثناء نومها, كل بضع دقائق يتدلى رأسها على كتف تلك المسكينة, بينما هي تشعر بالحرج من إيقاضها أو حتى دفعها قليلاً بعيداً عنها.

قرّرتُ تنفيذ قسمي وتفعيل وعدي لنفسي, وبقيت مسترسلاً في عالمي, أرفض الخروج من عزلتي الرقيقة, وأمتنع عن رؤية أي ضوء يملأه التشوّه, بقيت كذلك حتى شعرت بتوقف الحافلة, فتلاطمَ الضجيج من حولي , تنفست الصعداء فقد وصلت أخيراً, أمسكتُ بحقيبتي وسارعت بالخروج من الحافلة, كان صديقي فرحاً مهللاً برؤيتي, يسألني الكثير والكثير من الاسئلة, ولا أفلح في إكمال إجابة أيّ منها لتزاحمها, ثم عزمنا على التوجه الى سيارته القريبة منا, فأرى ذلك الثرثار يحمل حقائب تلك الفتاة وحقيبته, ويسير قربها مبتسماً يحاول الإنصات لها بمنتهى الخشوع, ترتجف أذرعه من ثقل أحماله, حاول قاصداً عدم الإلتفات صوبي عند المرور قربي, وذلك بإمعان النظر طويلاً الى إحدى الحقائب المعلّقة بيده اليمنى.

الفتاة: أشكرك على لطفك نحوي, وصدقني لولا مبادرتك وإصرارك المُلحّ على مساعدتي لما قبلت إرهاقك بحمل جميع حقائبي ولمسافة أحسبها بعيدة, أمثالك قلّة في عالمنا.
الرجل: ما أقوم به لا يستحق الشكر ولا يستدعي الثناء أبداً, إن مساعدة الآخر لزام علينا, وأنا لا أقبل إغفال إنسانيتي أو التنصّل من شيمي وأخلاقي!.

*جامعة اليرموك الأوردن

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...