الذهب الأصفر في المغرب وتونس بديلاً عن الذهب الأسود؟!

 

 

 

*دكتور/ طلعت غنيم

 

 

إذا كان باطن الأرض في كل من المملكة المغربية وتونس لم يكشف بعد عن الكثير من مكنوناته من الذهب الأسود – البترول – فإن ظاهر الأرض قد بشَّر حتى الآن ببشرى طيبة لأهل البلدين الطيبين، ألا وهو الذهب الأصفر: ثمار الزيتون وزيوت الزيتون، حيث إن قيمة صادرات زيت الزيتون وثماره من البلدين – في رأيي – قد تعادل عوائد النفط والغاز الطبيعي التي تحققها بعض بلدان الخليج العربي التي حباها الله بالثروة النفطية، بل وقد تزيد إن شاء الله.

وبالنظر إلى ثروة البلدين من إمكانيات إنتاج ثمار الزيتون وزيوته – وبخاصة زيت الزيتون ذو الجودة العالية، وزيت الزيتون البكر الممتاز – نكتشف أنما تحقق حتى الآن من عوائد مالية مُبشِّر وطيب ولكنه يمكن أن يتضاعف إلى مائة ضعف إذا أحسن البلدان استغلال الإمكانيات الزراعية الهائلة من تربة زراعية جيدة، ومناخ مناسب، وتوافر المياه، والخبرات البشرية الرفيعة، وغيرها من العوامل التي حبا الله بها البلدين، طبعاً في ظل سوق متعطش لاستيراد الزيتون سواء في بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية وغيرهما نظراً لآخر الاتجاهات الصحية العالمية التي تحبذ استهلاك زيوت الزيتون بديلاً عن الزيوت الأخرى.

ونحن نعلم أن تونس والمغرب يستخدمان نظام الكثافة العالية (الفائقة) في إنتاج ثمار الزيتون وزيوته، وهو النظام الذي أحدث ثورة هائلة في زراعة الزيتون بالعالم كله بعد إدخاله واستعماله وإعطائه نتائج هائلة في العوائد المالية، ونوعية الإنتاج وجودته العالية، والاقتصاد في النفقات، والوفر الكبير مع ضخامة الإنتاج، وذلك طبعاً بديلاً عن النظم التقليدية العتيقة التي عفا عليها الزمان وباتت الآن في غياهب التاريخ.

ربحية نظام الكثافة العالية .. هائلة
تم تصدير 17.2 ألف طن من زيت الزيتون التونسي منذ نوفمبر الماضي 2022، فقد ارتفعت قيمة صادرات زيت الزيتون بنسبة 100.8٪ خلال شهر نوفمبر 2022، مقارنة بالشهر نفسه من الموسم السابق حيث بلغت قيمة 240.3 مليون دينار.

تأسيساً على ذلك، فإن زيادة الربحية الناجمة عن هذا النظام والمقترنة ببساطة استخدامه والبيئة المحابية جداً لمبيعات الزيت، أفضت وتفضي إلى دخول أبطال جدد إلى ذلك القطاع سواء من جانب الحكومات أو المستثمرين. وكثيرون يقومون الآن بإعادة موضع استثماراتهم وتغيير السياق الذي أصبحت فيه زراعة الزيتون وأنشطة إنتاج زيته نافذة في بلدان العالم قاطبة.

إن الانتشار السريع لتكنولوجيا نظام الكثافة العالية داخل البلدان ذات مزارع الزيتون والتقاليد القليلة في إنتاج الزيت، مثل المغرب الولايات المتحدة، يؤدي إلى خلق نقاط جذب ترى لنفسها الفرصة في الوصول إلى مراكز قوية في الأسواق، ويشجعها في ذلك إلغاء الاتحاد الأوروبي للدعم المالي للمزارعين.

وحيث إن إلغاء الاتحاد الأوروبي للدعم المالي للمزارعين من شأنه أن يؤدي لانهيار الإنتاج التقليدي على المدى القصير، فإن الجماعات الكبرى من تجار زيت الزيتون سوف يلتزمون بتكنولوجيا الكثافة العالية (الفائقة) بوصفها وسيلة لضمان جودة الزيت عند أدنى تكلفة. وبهذه الطريقة، فهم يعتزمون الاستمرار في إمداد الأسواق الجديدة الناشئة، في ظل سياسات سعرية مستقرة، وإنجاز هدف زيادة المبيعات وزيادة نصيبهم في تلك الأسواق.
إن فرصة الاستمرار وفقاً لنظام يسمح بالحصول على منتج ذي جودة بيسر وصدق، ألا وهو الزيت البكر الممتاز، تزيد من العرض الحقيقي في الأسواق.

تونس رابع دولة عالمياً
تونس هي رابع دولة في العالم من حيث عدد أشجار الزيتون وهي ثاني دولة في العالم من حيث المسطح المنزرع ببساتين أشجار الزيتون ويبلغ 1,680,000 هكتار (أكثر من 30% من الأراضي الصالحة للزراعة في الدولة). ويشمل التراث التونسي لزراعة الزيتون أكثر من 65 مليون شجرة زيتون يقع 32% منها في مزارع فتية، و68% منها في بساتين زيتونية منتجة تماماً. وتونس أيضاً هي رابع دولة منتجة بحوالي 142,000 طن في المتوسط، ما يعادل 6% من الإنتاج العالمي. وتصدر في المتوسط 98,000 طن سنوياً. ويساهم 70% من إنتاجها بـ 10% من الصادرات العالمي. وأكثر بقاع الإنتاج أهمية تقع في منطقتي سوسة، وصفاقص. والمنطقة الأخيرة هي التي تتميز بأعظم قدر من التقاليد الزراعية، ولها متوسط كثافة يبلغ 17 شجرة لكل هكتار (24×24م) ومعظمها يزرع في أراضي جافة (الرسوبية: 200 مم). أما صنف الزيتون الرئيسي في البلاد فهو “شملالي”.

الخصائص الهيكلية لقطاع الزيتون التونسي
يزيد عدد منتجي الزيتون على 270,000 منتج. 57% منهم يعملون بصفة مستديمة. وزراعة الزيتون التونسية تعني أن هناك 20% من السكان حرفتهم الزراعة، وأن هناك 30-40 مليون عامل مياومة يتم تشغيلهم كل عام.

بثقافة زراعية عريقة
يتميز قطاع الزيتون التونسي بثقافة زراعية عريقة وله محاصيل أو غلة متناوبة ومقادير إنتاج متوسطة، أكثر من 1000 كيلوجرام/ هكتار في مناطق كثيرة.
تتراوح تكاليف العمالة بين 9 و 10 يورو للفرد الواحد كل نهار، ولذلك يمكن لزراعة الزيتون التونسية أن تكون أكثر تنافسية بكثير إزاء ثقافة الزراعة التقليدية للزيتون الأوروبي، حتى في حالة التطوير المشروط في زراعة الزيتون التونسية. وتسمح درجات الحرارة العالية وندرة هطول المياه بتنفيذ ثقافة بيئية (إيكولوجية) بطريقة طبيعية. أما إجهاد الآفات والحشائش فيعتبر ضئيلاً حتى أن إدارته لا تتطلب فعلياً أي معالجة أو حرث.
هناك 13 مصفاة تعمل بالفعل، و1600 مطحنة زيت، يمكن اعتبار 50% منها مجهزاً بتكنولوجيا حديثة. وبلغ متوسط سعة المعالجة 8000 طـ/ يوم في عام 1986، وقد زادت حالياً إلى 28000 طـ/ يوم.
تونس دولة مصدرة بالجملة: في الحقيقة هناك أكثر من 50 شركة تعبئة، أكثر من 23 منها لها نشاط مهم. وبلغت صادرات زيت الزيتون المعبأة أو المعلبة 1260 طـناً في عام 2016، تشكل أقل من 0,7% من إجمالي صادرات زيت الزيتون.
حالياً، يمكن تصنيف 70% من الزيت المنتج على أنه ذو مستوى جودة ملائمة مقارنة بنسبة 25% في عام 1995.

عملية تحديث إنتاج الزيوت
أولى بساتين نظام الكثافة العالية لزراعة الزيتون أقيمت في عام 2006 في شمال تونس، وبخاصة في مورنانغ Mornang ورأس بون Cape Bon، وأقامتها شركة زراعة محلية اسمها ساديرا. والهكتارات الخمسون المزروعة وأول حصاد ميكانيكي في عام 2002 كان حدثاً دافعاً جذب كثيرين من مستثمري القطاع الخاص للانضمام إلى الآخرين الذين يقيمون مزارع جديدة في شمال البلاد وفي جنوبها. وتم تقدير مساحة الأراضي المنزرعة زيتوناً وفقاً لنظام الكثافة العالية في عام 2020 بأنها سوف تصل إلى 5000 هكتار.

ورغم ضآلة تكاليف العمالة، فإن نظام الكثافة العالية يفرض نفسه بصفته حاجة ملحة للأسباب الآتية:

1. إمكانية الحصول على عمال ماهرين.
2. التأخير في الشروع في الإنتاج فيما يخص البساتين التقليدية. ففي تونس من العادي والشائع أن تنتظر لحوالي 15 عاماً للوصول إلى الإنتاجية القصوى أو أقصى مستويات الإنتاج.
3. صعوبة الحصول على أيدي عاملة ماهرة في جني الزيتون البكر ذي الجودة العالية. وثمة حاجة للحصول على الأيدي العاملة المشاركة لحصاد جميع ثمار الزيتون في فترة وجيزة من الزمن. وتدبر حقيقة أن المحصول في منطقة صفاقص يبلغ 100 كيلوجراماً/ للفرد الواحد/ للنهار الواحد، من شأنه أن يشجع المزارع الجديدة على اختيار النماذج التي تتيح لها استعمال الميكنة للحصاد.

البرنامج الزراعي للحكومة التونسية
ويتناسب نظام الكثافة العالية تماماً مع البرنامج الزراعي الذي أقامته الحكومة التونسية، والذي يعتزم إعادة تجديد الزراعات التقليدية وتحسين إنتاجيتها عن طريق إدخال نماذج إنتاج جديدة وتطوير مشروعات ري جديدة. وأهدافها هي العمل على استقرار التأرجحات والتقلبات القوية في الإنتاج وتعزيز جودة زيت الزيتون التونسي لزيادة عدد عبوات الزيت المعلبة، وفي نهاية المطاف الوصول إلى الأسواق الدولية بمنتج ذي قيمة مضافة كبرى، على أن يكون أقل عرضة للمضاربات في مجال البيع بأسعار الجملة.

المغــــرب: تطور عظيم
المغرب بلد تعرضت ثقافة زراعة الزيتون فيه إلى تطور عظيم على مدار العقد الماضي. وتمثل ثمار أشجار الزيتون في المغرب المحصول الرئيسي ومنزرعة على مساحة 680,000 هكتار (50% من الأراضي القابلة للزراعة)، الأمر الذي يجعل عدد أيام العمل متراكمة لتبلغ أكثر من 15 مليون نهار عمل. ومتوسط الإنتاج القومي من زيت الزيتون يبلغ 100,000 طن، وزيت زيتون المائدة يبلغ 150,000 طن.

وتشكل صادرات المغرب من زيت الزيتون 4% من إجمالي الصادرات العالمية، وفي عام 2019 زادت الشحنات للاتحاد الأوروبي لتصل إلى 11%، وللولايات المتحدة لتصل إلى 16%. وقد وقعت الولايات المتحدة اتفاقية تجارة حرة مع المغرب من شأنها تسهيل الصادرات لتصير أكبر من ذلك في غضون السنوات القادمة. وتم تنفيذ استثمارات عظيمة لتحديث زراعة أشجار الزيتون وتحديث صناعة إنتاج زيت الزيتون شكلت ضمانة للمغرب في المستقبل القريب لتحصل على مكانة متميزة ليس داخل قطاع الزيتون في شمال أفريقيا فحسب ولكن أيضاً بين الدول الكبرى المنتجة في العالم.
وقد زادت المملكة المغربية في عام 2022 من صادراتها لبلدان الاتحاد الأوروبي بما قيمته 3203 أطنان من زيت الزيتون بنسبة زيادة قدرها أكثر من 5%، وفقاً لأحدث البيانات الصادرة عن الاتحاد الأوروبي، مع نظرة مستقبلية مبشرة بمزيد من الصادرات المغربية لغيره من البلدان وفي كل القارات.

مشروعات ضخمة تساندها رؤوس الأموال
زراعة الزيتون في المغرب كانت تاريخياً محجوزة لصغار الفلاحين بحيازة يتراوح متوسطها بين 1-2 هكتار، وتقع في مناطق ذات إمكانيات إنتاج منخفضة. أما اليوم، فقد تم تنحية زراعات الزيتون التقليدية الأقل تنافسيةً جانباً لصالح مشروعات ضخمة تساندها رؤوس الأموال المحلية والأجنبية.
والحكومة المغربية تعتبر زراعة أشجار الزيتون خطة استراتيجية لتطوير إنتاجها الزراعي، وقامت بتطوير الخطة القومية الطموحة لزراعة الزيتون وإنتاج زيوته يساندها صندوق الاستثمار “أوليو كابيتال Oleo Capital” ويستهدف زيادة المساحة المنزرعة بأشجار الزيتون إلى ما يناهز المليون هكتار.

ويقع ضمن خطط الحكومة المغربية إحلال وتجديد معظم مطاحن الزيت القديمة التي كانت تعمل وفقاً لأساليب الأجداد غير الكفؤة، ولم تكن تناسب إنتاج زيوت ذات جودة للتصدير، ولا تناسب نظم الاستخلاص والتخزين الحديثة. وتقدر سعة المعالجة لهذه المطاحن بـ 15000 طن لكل يوم، منها 9000 طن هي عبارة عن ناتج عمل المطاحن العالية المهنية والاحتراف وعددها 4-9 مطاحن، تمثل استثمارات عالية في تكنولوجيتها.

ومايزال استهلاك زيت الزيتون متدنياً في معدله لكل فرد ويقل عن 1 كيلوجرام/ لكل فرد/ كل عام؛ وعلى الرغم من أن الفرص جيدة، حيث إن محدودية الاستهلاك ليست ناجمة عن مسائل تتعلق بالذوق، ولكنها ناجمة عن تدني القدرة الشرائية للمغاربة. ويمكن لهذا العامل أن يتغير في السنوات القادمة إذ إن الدولة مستمرة في توسيع نموها الاقتصادي.

حقيقة واقعية تتحرك للأمام بسرعة هائلة
يرجع الفضل في إدخال نظام الكثافة العالية (الفائقة) في البلاد إلى ميشيل آيللو Michel Ayello وشركة أطلس للزارعة Atlas Farming في مراكش الذين نفّذوه قبل فترة وجيزة من إعلان العاهل المغربي عن الخطة القومية لزراعة الزيتون وإنتاج زيوته. وكان توزيع الأراضي الحكومية لشركات القطاع الخاص بشرط تطوير المشروعات الزراعية الجديدة، كان السبب وراء النمو الرائع في عدد الهكتارات خلال فترة وجيزة جداً. وحالياً، يبلغ عدد الهكتارات 14000 وتتنبأ الفرص المستقبلية بزيادة 7000 هكتار لكل عام. وتتصدر شركات مثل زنيبر، و تازي، و سوميد، براسيري دي موروكو، و أغروهيلث، هذه الزراعات عبر أرجاء البلاد وفي مناطق مثل بني ملال، هاوز، تنسيفت، تادلا، و مكناس.

*باحث وصحافي عربي من مصر

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...