* الدكتور شنفار عبدالله
في الحديث: (… وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ؛ فأَقْضِي لَهُ بِنحْوِ مَا أَسْمَعُ…)
بغض النظر عن كون الحديث صحيحًا أو حسن أو ضعيفاً أو مُتَّفَقٌ عَلَيهِ؛ أو حتى مجرد قول مأثور؛ ما يهمنا فيه هو الدلالات واستنباط الحكمة والعبرة: “ولَعَلَّ أنْ يَكونَ ألْحَنَ بحُجَّتِه.”
نفترض في الخصم؛ أو الخصوم؛ دائمًا أن لهم القدرة على المناورة وعلى أن يُلحنون بحجتهم؛ من خلال تسخير وسائل الإعلام والأقلام المأجورة والقنوات المسخرة لذلك؛ والقدرة على التحكم في الرأي العام والتأثير فيه؛ عبر القنوات الديبلوماسية وعدم التردد في تقديم رشاوى واشتراء المواقف، وحق الفيتو، ودعوة مجلس الأمن لعقد جلسة طارئة؛ ودفع دول إلى إصدار بلاغات إدانة واستنكار وإبداء تحفظ وإبداء نوع من القلق إزاء موقف أو قضايا معينة…
وفي المقابل يوجد هناك من يقضي له، ويُصدقه ويسانده، ويتبنى قضاياه ويؤازره؛ من خلال ما يسمع وما يشاهد.. وبالتالي؛ إذا كانت قضايانا عادلة؛ ومشروعة؛ فالأمر يتطلب محاميًا بارعًا قادرًا على المرافعة القانونية؛ ونحتاج إلى سياسيًا داهيةً يكون قادرًا على المناورة السياسية؛ عبر أسلوب الإقناع والتحاور والتفاوض؛ ونحتاج أيضًا إلى شعب مؤطر؛ يستطيع؛ وله القدرة على الاحتشاد لمناصرة قضاياه الوطنية.
في المجتمعات الحديثة؛ هناك حرب أفكار مستدامة. وعندما نخاطب عقولًا وأفكارًا؛ فنحن نصنع بذلك الرأي العام؛ ونصنع التاريخ؛ من خلال محاولة إحداث تغييرات وتأثيرات عميقة فيه.
وبالتالي لكي ننجح في إيصال فكرة معينة حول قضايانا؛ لابد من معرفة شِيفرات المتلقي أو من نخاطب. وهذه الشِّفرات تتغير باستمرار من حال إلى حال؛ وفيها الثابت الذي لا يتحول ولا يتغير وفي حالة ثبات على المواقف.
فالأمر إذن يتطلب نوع من الذكاء والقدرات؛ لمعرفة قوانين التحول الاجتماعي؛ التي هي عبارة عن فضاءات ومساحات ملغومة ومزروعة بالعديد من الأفكار والقيم والألغام السابقة من مختلف القناعات والمصالح المتناقضة؛ الاجتماعية والسياسية والمالية والاقتصادية والشخصية والعسكرية والإستراتيجية وغيرها… منها الضارة ومنها النافعة؛ ومنها الإيجابية ومنها السلبية.
ومن هذه القوانين والمعايير والمؤشرات؛ والأبعاد المتواجدة في عقول البشر؛ هي إدراك مدى القابلية للأفكار المطروحة ومعرفة مدى عناصر المقاومة وردود فعل حرس المعبد وحرس القديم؛ واستيعاب كل تلك المتناقضات الاجتماعية.
فمعرفة شِفرات هذه الذاكرة المشوشة والتي تعيش حالة شك وريب وارتباك أو حالة جمود وركود وأفكار ميتة؛ أو مسكونة بحالة يقين مطلق؛ يتطلب القدرة على التواصل؛ من خلال عملية انتقاء المعلومات ودراستها بدقة؛ لمعرفة من ستقاوم ومن ستقتنع بسهولة ومن يسهل تغييرها؛ مع إخضاعها للتقويم والتتبع والتجاوز لخلق فضاء مفتوح قابل للتطور.
فمن يسبق إلى العقول الخاوية والفارغة؛ يستطيع الاستحواذ عليها وملئها بالمغالطات المنطقية وبالجهل والتجهيل؛ فيسيطر عليها؛ ويجعلها إلى جانبه.
وبالتالي فالمناصرة والمرافعة؛ والاحتشاد؛ هي قضية شعب بكامله؛ وليس فردًا أو مؤسسة لوحدها؛ وكل خلل في ذلك سوف يؤدي حتماً إلى نتيجة عكسية لا تخدم القضايا الوطنية.
فالحمية أكيد تتغلب على السبع مهما بلغت شراسته وقوته.
* الكاتب والمفكر المغربي





