الإمارات والسياسات المزدوجة إقليمياً ودولياً.

 

 

 

 

*بقلم.. الدكتور حسن مرهج

 

 

في العلاقات الدولية، ثمة الكثير من التحديات التي تواجه القوى الإقليمية والدولية، ولتجاوز تلك التحديات، فإن جُل ما تلجئ إليه تلك القوى، هو مبدأ تشبيك العلاقات بأبعادها السياسية والإقتصادية وحتى العسكرية، خاصة أن المناخات المتغيرة إقليمياً ودولياً، تفترض ازداوحية سياسية، لنسج معادلات من شأنها تعزيز العلاقات بأبعادها كافة، وهذا الأمر من منظوره السياسي، يبدو واقعياً إلى حد ما، وفي المقابل لايبدو منطقياً، مع كمَ المتغيرات الإقليمية والدولية، وضبابية المشهد الشرق أوسطي، أن تتسم السياسات الخارجية لأي دولة، بالغموض وعدم وضوح السياق العام لسياساتها. وكـ مثال على ما سبق، فإن الإمارات العربية المتحدة، وقبيل التطبيع مع اسرائيل، اعتمدت سياسة وسطية تُجاه الأوراق الخلافية في عموم المنطقة، ومن الضروري التذكير بالدور الإماراتي المشبوه، حيال الحرب التي شُنت على سورية، لكن ومبكراً اتخذت الإمارات خطوات سياسية تُجاه دمشق، وانسحبت من معادلة الهجوم على سورية، ولجأت لخطوات دبلوماسية مع دمشق، لإدراك أبو ظبي، أن الدولة السورية ورغم ما تعانيه، إلا أنها تبقى بيضة القبان في أي توازنات إقليمية، إذ لا يمكن تجاهل دور سورية المركزي في مختلف الأوراق، سواء في اليمن أو لبنان أو العلاقة مع إيران.

وفي مرحلة ما بعد التطبيع مع إسرائيل، دأبت الإمارات على تنويع معادلاتها السياسية، فـ نراها اليوم تُقيم علاقات كاملة مع إسرائيل، وتُعمق تحالفاتها مع الولايات المتحدة، وبذات التوقيت تُهندس علاقات عميقة مع دمشق، رغم تحالفات أبو ظبي مع واشنطن وتل أبيب، كما أنه وفي خضم التوترات الشرق أوسطية، نرى الإمارات تُبقي على علاقاتها مع طهران، وتواصل سري مع الحوثيين. كل ذلك يؤكد بأن سياسة الإمارات يمكن وضعها في أطر الشراكات بعيدة المدى، وهي من حيث لا تدري، تخلق لها أعداء إقليميين، لا سيما بأن السعودية والإمارات وبصرف النظر عن علاقتهم المتينة ظاهرياً، إلا أن هناك تحديات وألغام كثيرة بين الدولتين، وهي قابلة للإنفجار في أي انعطافة إقليمية.

ولعلنا لا نبيح سراً إذا قلنا، إن دول مجلس التعاون الخليجي أصبحت بعد أحداث “الربيع العربي” الدول الأكثر قوة بين الدول العربية في منطقة الشرق الأوسط، وذلك عقب تراجع تأثير دول المشرق العربي في التفاعلات الإقليمية في المنطقة، وتحولها من دول فاعلة إلى دول مفعول بها أكثر مما ينبغي. ومع ذلك قادت الثروات المالية التي راكمتها دول مجلس التعاون الخليجي بسبب المداخيل النفطية، إلى تعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي والثقافي في المنطقة العربية. إذ أسهمت هذه الفوائض المالية إلى جانب الضعف الذي لحق ببعض الدول العربية، إلى بروز حاجة لتأكيد الذات بين دول مجلس التعاون الخليجي، فاخذ نزوع بعض الدول الخليجية يتجه نحو مأسسة سياسة خارجية مستقلة عن عباءة بعضها البعض، فبرزت لنا إلى جانب السعودية وقطر الأمارات العربية المتحدة. وبسبب توجه أنظارنا نحو الأطراف التقليدية الفاعلة في الشرق الأوسط كإيران والسعودية وتركيا وإسرائيل وقطر، كثيراً ما يتم غض الطرف عن الدور الإماراتي في الشرق الأوسط، وهو الدور الذي لم يعد ممكناً تجاهله؛ نتيجة لتصاعد حضوره وتأثيره الملحوظ في قضايا الشرق الأوسط ولاسيما في مصر وتونس وليبيا، وهو الأمر الذي يثير الكثير من الأسئلة حول طبيعة هذا الدور فضلاً عن الدوافع التي تحكمه.

ختاماً، يمكننا القول بأن الإمارات تحمّل نفسها أكثر من طاقتها، وثمة الكثير من عوامل الخطر التي تترتب عن اتباع الإمارات سياسة ناشطة في مختلف أنحاء المنطقة، وهنا تخطر في البال على الفور عوامل خطر عدة، أحدها أن الإمارات خلقت لنفسها أعداء في مختلف أنحاء المنطقة، وهؤلاء قد يكونون لها في المرصاد يوماً ما، خصوصاً إذا مُنيت المناورات على النفوذ بالفشل – كما حصل في ليبيا ويُرجَّح أن يحدث أيضاً في اليمن. قد يؤدّي التدخل التركي واسع النطاق في ليبيا إلى تورّط الإمارات على نحوٍ أكبر في نزاع يتعذّر على الأرجح الانتصار فيه، ومن الممكن أن يتحوّل إلى مصدر استنزاف كبير لمواردها.

العامل الثاني هو أنه بعدما ركّزت الإمارات كثيراً على إظهار قطر بأنها تتدخل في الشؤون الداخلية للبلدان الأخرى وتُهدّد الاستقرار الإقليمي، تجد نفسها الآن معرّضة بقوة للتهمة نفسها، والأدلة وافية على ذلك. ففي ليبيا واليمن على السواء، يهتزّ مشهد الدعم الإماراتي للأفرقاء الانفصاليين أو غير الدولتيين في مواجهة الحكومات المعترف بها دولياً، عند النظر إليه على ضوء الخطاب الذي رفعته الإمارات في وجه الدوحة منذ العام 2017. وبالتالي ثمة قوى إقليمية، سيكون لها رغبات واضحة في أن يتم وضع حد للسلوك الإماراتي في المنطقة، والذي لن يُغطى بالمساعدات الإنسانية هنا وهناك.

*كاتب واعلامي وخبير في شؤون الشرق الاوسط من سوريا

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...