*غسان الاستانبولي
يقول الكاتب الإيرلندي جورج برنارد شو: “كما تُدين تُدان إن لم يكن بنفس الموقف فسيكون بنفس الألم”، ويمكن أن نضيف على رأي “شو” بأن نقول، ولكلّ مَدينٍ مواقفه التي يُدان بسببها، سواء كان هذا المَدين إنساناً، أو مجتمعاً، أو دولة.
لو دققّنا قليلاً، لوجدنا أن هذه المقولة تنطبق بشكلٍ كبيرٍ على ما يحصل حالياً مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي غدر بأبيه الروحي نجم الدين أربكان، حين انقلب عليه ثم أودعه السجن، وأكمل دَينه للآخرين في داخل تركيا، حيث السجون تضيق بالمعارضين، وحيث لوائح الإتهام القضائية جاهزة لكلّ من يقف في طريق السلطان، أمّا في خارج تركيا، حيث نجد أياديه السوداء في كلّ الأماكن والبلدان التي استطاع الوصول إليها، مباشرة، بواسطة جيشه كما في سوريا، أو بشكلٍ غير مباشر، عبر أتباعه سواء كانوا مرتزقة، أو إخوانيين، كما حصل في مصر وليبيا وتونس والعراق وغيرهم، وبهذا الأسلوب أمضى أكثر من عشرين سنة، وهو يمارس الجزء الأول من مقولة ” شو”، ويكون هو المَدين، فهل أتى الزمن الذي يُفرض عليه إكمال الجزء الثاني؟.
من يتابع السياسة التركية منذ وصول النظام الحالي إلى السلطة، يلاحظ بعض الأزمات التي مرّ بها هذا النظام، والتي كان يتجاوزها ببعض الصمت وبأقلّ الخسائر، ولكن اليوم فلا مكان للصمت، لأن الخسائر ستأتي على المصير السياسي، وحتى الشخصي لأردوغان، كما على حزبه الإخواني، الذي أثبت مرةً أخرى فشله كحزبٍ يمكن أن يحكم دولة،ً بدليل فشله في مصر وتونس وغيرهما.
من الواضح أن أردوغان تلقى ضربتين مؤلمتين قبل الإنتخابات الرئاسية والبرلمانية التركية المُقررة في 14 آيار/مايو القادم،
الضربة الأولى من سوريا، حين تبين له أن أمله بلقاءٍ يجمعه مع الرئيس السوري بشار الأسد وبلا أي شرط سوري أصعب مما كان يتوقع، لعلّ هذا اللقاء يدعم مساره الإنتخابي، وبينما كان يراهن على فاعلية الضغط الروسي على الأسد، للقبول بلقاءٍ بلا جدول أعمالٍ، وبلا شروط مُسبقة، كان الأسد يُعلن ومن موسكو شروط سوريا للقاء أردوغان، وليُبلغ بذلك كلّ من يهمّهم الأمر، بما فيهم الروس، أنّ هناك شرطين على أردوغان تنفيذهما قبل اللقاء، وهما خروج الجيش التركي من سوريا، ووقف دعم تركيا للمجموعات المتواجدة على الأراضي السورية، ولكي يبدّد أيً أملٍ تركي، ولكي يمنع أيّة محاولة ضغط روسية، أحال شرط خروج الجيش التركي من شرطٍ سياسي إلى شرطٍ وطني، وهذا ما أعلنه خلال مقابلته مع إحدى الفضائيات الروسية، أمّا المسائل الأخرى فيمكن أن تُبحث لاحقا،ً وبذلك عاد وزير الخارجية التركي، الذي زامن وجوده في موسكو مع وجود الرئيس السوري بلا أيّ أمل،ٍ وبهذا الموقف السوري الحازم الذي زاد موقف أردوغان الإنتخابي حرجا،ً كان الرضوخ التركي بالقبول بمفاوضات حسب جدول أعمالٍ واضحٍ، وبحسب الشروط السورية، على أن تضمن روسيا وإيران تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، وعلى هذا الأساس عُقدت في موسكو مفاوضات جمعت معاوني وزراء الخارجية، والتي بنتيجتها تُقرّر سوريا التوقف عن المفاوضات أو متابعتها.
بكل الأحوال، فمن يعرف كيف تتعاطى القيادة السورية بمثل هذه الملفات، يعرف أنّها لا تعوّل على وصول المعارضة التركية للحكم، بل لا يهمّها من يصل، وإنما المُهم هو من يُنفّذ شروطها المُحقّة، ولذلك هي ليست بوارد تقديم ورقةً تدعم من خلالها أيّ فريقٍ، بدليل رفضها تحديد موعدٍ لزيارة سوريا تقدمّت به المعارضة التركية منذ أسابيع.
أما الضربة الثانية فأتته من الداخل التركي، حين استطاعت المعارضة التركية أن تتفاهم على رئيس حزب الشعب الجمهوري كمرشّحٍ وحيدٍ للمعارضة، وذلك بعد أن أدار حواراً مَرناً ومُطمئناً مع كافّة أحزاب الطاولة السداسية، بل تمدّد الحوار خارج الطاولة، ليصل إلى حزب الشعوب الديمقراطي، الذي يتمتع بثقلٍ انتخابي يقارب 15٪ من أصوات الناخبين، ونجح أيضاً في طمأنته، وبالتالي استمالته، كما يُحسب لحزب الشعوب الديمقراطي أنّه وضع كافّة الإحتمالات، بما فيها احتمال حظره قضائياً من المُشاركة في الإنتخابات النيابية، ولذلك قرّر خوض الإنتخابات تحت لافتة “حزب اليسار الأخضر” ، وبهذا الشكل لم يبقَ أمام أردوغان إلا التحالف مع الأحزاب الإسلامية المُتشدّدة، مثل “حزب الدعوة الحرة” و”حزب الهُدى” وغيرهم، و هذه الأحزاب لا تتمتع بأيّ ثقلٍ انتخابي، حيث يُعتبر أكبرها هو “حزب الرفاه الجديد” ، الذي بالكاد يحصل على 3٪ من أصوات الناخبين، وهنا يكون أردوغان أمام أمرين، فإمّا أن يخسر دعم الأحزاب الإسلامية المُتطرفة، التي لن ترضى بالتخلّي التركي عن المجموعات المُسلحة في سوريا، أو أن يخسر الأصوات المُتردّدة، التي يرى أصحابها أنّه من المُناسب تنفيذ الشرطين السوريين.
من الواضح أنّ اللعبة الإنتخابية التركية على عدد الأصوات الممكنة بين النظام والمعارضة مُتعادلةٌ تقريباً، ومن الواضح أيضاً أن الطرفين لا يحظيان بالثقة الدولية عموما،ً وبالثقة السورية خصوصاً، فأردوغان لم يفِ بمعظم تعهداته الدولية، خاصّة تجاه سوريا، كما أنّ الدعم الأميركي للمعارضة يفقدها هذه الثقة أيضا،ً والسوريون الذين كوتهم نار ثقتهم الزائدة بالآخرين حفظوا الدرس، بالتالي هم ليسوا بوارد إعطاء هذه الثقة لأحد، إلا بمقدار ما يروه على أرض الواقع، مُعتمدين مقولة أنّ الحيادَ فضيلةٌ عندما تكون المعركة بين ظالمَين.
*كاتب وباحث سياسي سوري





