ليست مذنبة!

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

تالا زيد عيسى العتوم

 

 

ربما لا يرى الكثيرون قصتي كما رأيتها أنا, وربما لن تَحرق قلوبَهم تلك الدموع الصغيرة والمنهمرة مثلما حرقت قلبي وتحرقه حتى الآن, فكلنا نسجد ونصمت أمام الأقدار مهما فعلت, وفجأة نرفع أبصارَنا وننهش بعضنا بعضاً, ثم لا نلبث نطلق نظرات التعجّب وصفير الإستغراب, والأمرّ من كل ذلك ربما بعض الضحكات المعبأة بالأشواك, تلدها أفواهنا بقصدٍ أو بدونه, لكن ما الفرق فالنتيجة واحدة, سنجرح روحاً ونُدمي شعوراً ونخنق عمراً في نهاية الأمر.

كان يومي الأول في مدرستي التي انتقلت إليها بسبب تغيّر مكان عمل والدي, دخلت من بابها الذي تحيطه الأشجار العالية والمتشابكة, لم أشعر بالسعادة حينها رغم جمال كلّ ما فيها, فأصوات معلماتي السابقات ما تزال تُسمع في آذاني التائهة, وابتساماتهنّ ما زالت تمدّني ببعض الدفء والحنين, وضجيج ومُزاح وحتى كدمات صديقاتي في مدرستي التي جئت منها ما تنفكّ تُطربني وتهزّني حتى اللحظة, لكن تلك هي الحياة وذلك هو واقعي الجديد الذي يجب أن أتقبله طواعية.

استأذنتُ معلمتي بالدخول فأذنت لي بلطف كنت بأمس الحاجة اليه, وأشارت بيدها نحو مقعدٍ يجاور النافذة ويكتسي ببياض الضوء المتسلل منها, جلست وبقربي تلميذة تنهمك ببري قلمها المزيّن بممحاةٍ على شكل ضفدع صغير, لم تأبه لي ولم تلتفت صوبي على الإطلاق, لم أشعر بغرابة ذلك, فهي لم تراني من قبل ولا يجمعنا أيّ ودّ ولا تربطنا عُرى الصداقة, أخذت أستمع لمعلمتي التي استفاضت بكلمات الترحيب والتشجيع لنا, وحثّتنا بترغيبٍ على ضرورة الجدّ والمثابرة, ثم أسعدني سؤالها لي عن معنى اسمي إن كنت أعرفه, فأخبرتها بأنه يعني النخلة صغيرة الحجم, فهزّت رأسها معجبة بمعناه.

في اليوم التالي جلست قرب جارتي الغامضة, حييتها فأجابتني بصوتٍ منخفضٍ دون الاستدارة نحوي, فشعرت كما لو كنت ضيفاً غير مرحبٍ به, سألت نفسي كيف سأطيق كوني وافداً تراه تلك الفتاة ثقيل الظل, وأنا مجبر على البقاء قربها في كلّ يومٍ دراسيّ, نظرت اليها قائلاً|: أرجوكي أن تعذريني إن أزعجك قدومي بأي شيء, فأنا لا أريد الانتقاص من راحتك أبداً.

الفتاة: لا لا أبداً, ليس الموضوع كما تظنين على الإطلاق, أنا مجرد لا أريد إيذاء مشاعرك, فقد اخترت الجلوس في الجهة اليمنى من الغرفة, حتى يواجه جدارها الجهة اليمنى من وجهي, هذا كل ما في الأمر, وليس لك أي علاقة بذلك.

زادت حيرتي وأخذ فضولي يطرق أبواب أفكاري, نظرت اليها مجدداً وقلت لها: صدقيني لا أفهم ماذا تقولين, وما علاقة جدار الغرفة بك, ولماذا تمتنعي عن الالتفاف صوبي؟
الفتاة: حسناً ربما ينبغي عليّ قول المزيد لك, ما دام سؤالك سيبقى معلقاً بيننا, لقد انسكبت بعض المياه الساخنة على وجهي قبل عام تقريباً, كنت أساعد والدتي في مطبخ بيتنا, أردت مناولتها ذلك الإناء الذي أصبح منقوشاً في مخيلتي ومحفوراً على الجهة اليمنى من وجهي, نعم لقد سقط ذلك الوعاء الكبير من يديّ فرشق خدّي وأذني وذقني ببعض من حمولته الساخنة, كم كان ذلك مؤلماً !, لكنّ ذلك ربما كان أقل وطأة مما تبعه بعد ذلك.
أخذ الحزن يعتصر قلبي على تلك المسكينة, وأحسست أن كلّ حروفها قد كانت مبللة بدموعٍ لا أراها, وآهات تقهر عالمها وتقتل طفولتها, خرجت من دقيقة صمتي وقلت لها: أكملي يا صديقتي, وأتمنى أن تأذني لي بأن أكون صديقتك.

الفتاة: يسعدني ذلك كثيراً أن تكوني صديقتي, لم أسمع تلك الكلمة الجميلة منذ عام أيضاً, وقد أصبحت أتعمد إخفاء تلك المساحة المحروقة من وجهي حتى لا أؤذي مشاعر الآخرين, لقد اعتدت على ذلك في شؤون يومي حتى مع عائلتي, فكل من كان يصادفني كان يبادر بإمعان النظر في مصيبتي, ثم يغلق عينيه للحظات هروباً من رؤيتي, في إحدى المرات كنت أحمل بعض الحلوى في حقيبتي, مررت وقتها ببعض الفتيات الصغيرات يلعبن في الشارع القريب من بيتي, هممت بإعطائهنّ قطع الحلوى بعد أن اقتربت منهنّ, كنت أرغب بذلك لإسعادهنّ, وبمجرد رؤيتهنّ لوجهي كاملاً بدأ صراخهنّ يتعالى, وركضن بسرعة بعيداً عني, تلك هي قصتي يا صديقتي, وأنا لا أريد أن يجد النفور موضعاً بيننا.

كانت كلماتها كإبر حادّة تخترق جسدي بلا استئذان, ثم تصنع حزناً يعتصر قلبي ويكاد يفقدني السيطرة على دموعي, وضعت يدي على كتفها الأيسر وقلت لها: لا داعي لكل هذه التعاسة يا صديقتي, أنتِ بخير وستكونين بخير, أنتِ لم تخطئي بشيء تخجلين منه, ولم تقترفي ذنباً يؤاخذك الآخرون عليه, لكلّ منا نواقصه التي تؤرقه, لكنّ الهروب من مقارعة الواقع سيجعلنا نغرق في مزيدٍ من الضعف والانكسار, هل تسمحي لي بطلبٍ منك؟ طبعاً إن كان ذلك بالإمكان.
الفتاة: نعم, تفضلي يا صديقتي.
اقتربت منها قليلاً, ثم خاطبتها بلسانٍ يلوّنه الرجاء والأمل: أريد أن أجلس مكانك على يمين المقعد, وأنتِ ستجلسي مكاني من فضلك. صمتت الفتاة قليلاً, لم أستطع وقتها التنبؤ بما ستؤول اليه الأمور بعد طلبي, فتريثت بإصغائي لجوابها دون أن أكرّر طلبي.
الفتاة: حسناً كما تريدين, تعالي الى مكاني هنا.
نظرت الى الساعة المثبتة قرب مدخل القاعة, كانت تفصلنا عن قدوم المعلمة خمس دقائق, جلست مكانها ونظرت اليها بعينٍ من الأخوة وعينٍ من الدفء.
الفتاة: ها قد رأيتي وجهي كاملاً, الا تريدين قول شيء لي؟ هل رأيتي ذلك القبح الجاثم على وجهي؟ أرجوكي أن تقولي لي حقيقة شعورك.
ضحكتُ قليلاً وأنا أمازحها برفع خصلة منفلتة من شعرها الى الأعلى, ثم قلت لها: ما تصفينه بالقبح هو مجرد وهم قد يسكن فينا أو نحن نسكن فيه, أنتِ جميلة يا صديقتي, لا أقول ذلك من باب المجاملة أو جبر الخاطر, وصدقيني أنني بنظرتي الأولى لك قد رأيت تلك الحروق, لكنني بنظرتي الثانية وما يليها لم أعد أراها أو تسترعي انتباهي, لقد رأيت صديقتي التي لا تشوبها شائبة ولا يعيبها أي شيء.
الفتاة: كم يسعدني كلامك, أشكرك من كل قلبي, ربما لا تعلمين مقدار السعادة والقوة التي بدأت أشعر بها بسببك.
المعلمة: سنبدأ حصتنا الآن, ولكن أنتما الجالستان قرب النافذة, هل هناك شيء يشغلكما؟
رفعت يدي أستأذنها للحديث, فأذنت المعلمة لي, قلت لها: أريد أن أشكرك يا معلمتي على اختيارك لي للجلوس في هذا المكان المريح وبالقرب من هذه الرفيقة الرائعة, أنا ممتنة لكِ.
المعلمة: لن أسألك عن سبب كلامك هذا, لكنني أيضاً أغبطك على هذا المكان, سأطلب منكما الوقوف, وسأطلب من الجميع أن يحييكما على تلك المشاعر الجميلة.

لن أنسى ما حييت تلك الدموع المزركشة بالفرح على وجه تلك الفتاة, ولن أنسى أن إسعاد الغير ربما يكون بحفنة من الكلمات الرقيقة والصادقة, ولن أنسى أن أرواحنا قد تنسى نُدبها إن نسيها الآخرون معنا وقبلونا كما نحن, حينئذ سنجني ثمار تحضّرنا ونكسب إنسانيتنا التي لا تقدّر بثمن.

إيطاليا تلغراف

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...