البير كامو…. بين الطمأنينة والقلق!

 

 

 

*زيد عيسى العتوم

 

 

قبل أن ننعته بالعبثية واللاعقلانية والتمرّد, لنفتح جعبته الرهيبة التي تحوي الوجود والحب والموت والحرية, ولنرى ذلك المسكين الذي تبرعمت روحه في بيئة شديدة الفقر والقهر, يُقتل والده بعد عام واحد من مولده, ويُمضي شبابه في جوّ قريب من العدم, أما أمّه فمصابة بعاهة الصمم, ثم ينبري البير كامو متسائلاً: هل الحياة جديرة بالعيش أم لا؟! أمّا القضايا الأخرى فتأتي لاحقاً.

كيف نطلق سهامنا على فلسفته ونقول أنها تتجاهل العقلانية بمنتهى الرعونة!, بينما هو مستبسل لحماية الفضول والتساؤل من الفناء, معلناً أن قتلهما سيلغي جزءاً كبيراً من العقل, وأننا ببساطة ننتحرُ عند التوقف عن التساؤل, أو أننا كأسطورة ذلك الرجل الواهم طوال حياته, يدفع صخرة الى أعلى الجبل كل يوم, ثم يداعب عينيه برؤيتها تتدحرج أمامه, ثم يعيد الكرّة في اليوم الذي يليه.

لم ينسى البير كامو أن يرسم لنا دائرة راحتنا عند تقبّلنا الأعمى للتقاليد المتوارثة بقضّها وقضيضها, في تلك الدائرة تعشق أنفسُنا الخمولَ اذا امتنعت عقولنا عن العمل, ونمضغ حتمية أن الطيب سينال المكافأة ولو بعد حين, وأن العقاب مصير المسيء بلا مفرّ, ثم أن المخطيء يجب أن يُسارع للتكفير عن فعلته, وفي المجمل ستكون حياتنا مجرّد امتحان وستظهر النتائج لاحقاً, ومع إراحة أذهاننا بالإرتكاز على مخدات اللين التي اخترناها, بينما نبحر دون إرادتنا في كونٍ من الصمت المخيف, نتلذذ بالسعادة التي يجلبها لنا العِلم المتصاعد, نرى الدمار أشدّ فتكاً والمجازر أكثر وحشيةً, ونغرق ونغرق في عالمٍ افتراضيٍ ليس له قانون أو قاع, تتفوق فيه الآلة علينا وقد تشغل مكاننا بذكائها المصنّع بأصابعنا المتنافسة.

بين الطمأنية والقلق, وبين معاقبة الطيب ومكافأة المذنب, ربما ينحني قانون العدالة أمام قانون أن القوي ينتصر على الضعيف, ليس فقط في عالم البشر أوعالم الحيوانات, فحتى النجوم في الفضاء الذي لا ينتهي تلتهم بعضها بعضاً!.

*جامعة اليرموك الاردن

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...