متفجّرات التاريخ من يزيد إلى المالكي

إيطاليا تلغراف

 

 

 

ذ.ياسر أبو هلالة

 

 

لم تكن ذكرى عاشوراء مناسبة لتوحيد المسلمين على قاعدة مناصرة ثورة الإمام الحسين على الظلم والاستبداد بقدر ما كانت فرصة للطائفيين في تعميق الانقسام، استنادا إلى تاريخ لم يشارك فيه أحد، فالسنة اليوم لم يكونوا في جيش يزيد تماما كما لم يكن شيعة اليوم في جيش الحسين، وكلاهما مع الحسين ثائرا وشهيدا.

قلّ حضور الدين والتاريخ والقومية والأيديولويجيا في الغرب إلى درجةٍ كبيرة، رغم أنها تسبّبت في حروبٍ طاحنةٍ ذهبت بحياة ملايين البشر، سواء في حروب أهلية طائفية أهلية أم عالمية، بقدر ما زاد حضورها في منطقتنا العربية والإسلامية والهند وآسيا عموما. وفي عراق ما بعد 2003 تحوّل رباعي الدين والتاريخ والقومية والأيديولوجيا إلى متفجّرات دمّرت البلد ولا تزال. وسياسي مثل نوري المالكي أجاد استخدامها لتفخيخ المجتمع والدولة، بدلا من أن تكون لبناتٍ لبناء الهوية الوطنية والفضاء الاستراتجي للدولة.

عبث المالكي بتلك المتفجّرات، واستخدمها مفخّخات لقتل الأبرياء، وبدا ذلك واضحا في ذكرى عاشوراء، فبدلا من أن تكون فرصة للثورة على الظلم والاستبداد تستخدم طقسا مفرغا من المعنى لتكريس زعامات مستبدّة فاسدة، تجسّدها شخصيةٌ كالمالكي وبشّار الأسد ومن على أشكالهما. وقد استبق المالكي المناسبة بحديثه عن التحكيم، الذي مثّل عفنا فكريا تشكّل في غياب نور المعرفة، وليس أدلّ على جهل المالكي أكثر من الخطأ في اسم عمرو بن العاص الذي صار عُمر، وقس على ذلك.

بدلاً من أن تكون مناسبة عاشوراء فرصة للثورة على الظلم والاستبداد تستخدم طقسا مفرغا من المعنى لتكريس زعامات مستبدّة فاسدة

يفتقر المالكي لعمق المفكّر، ولنزاهة المؤرّخ، ولتقوى الفقيه. يتعامل مع أخطر مسائل التاريخ ببلطجة “مليشياوي” زعيم فصيل مسلح. يريد أن يُثبت أنه الطائفي الأول الحريص على مصالح المافيا التي يقودها. ما طرحه هُراء لا يستحقّ النقاش، لكنه وجد أذنا صاغية عند دهماء يبحثون عن ضحيةٍ ينتقمون منها. وهذا ما جسّده من اقتحم مسجدا للسنة في بغداد وتهجّم على المصلين الآمنين، رغم أن الخطيب لعن يزيد مرارا وتكرارا، ومثله هم من لفّقوا تهما للأبرياء، وقتلوا وسلبوا مساجد الناس وأوقافهم ومزارعهم وأملاكهم، وهؤلاء أذلّ وأقلّ من أن يبنوا دولة أو يخدموا حتى طائفة. هم مافيا عصابة تخدم مصالحها المباشرة.

في متفجّرات الأيديولوجيا، يدّعي المالكي الانتساب لفكر محمد باقر الصدر، وظلّ يقلّد المرجع الراحل محمد حسين فضل الله، وكلاهما أبعد ما يكون عن الطائفية، وجسّدت أيديولوجيتهما وحدة الأمة. يروي الشيخ طالب الرفاعي (أحد مؤسّسي حزب الدعوة) أنه سأل المفكّر والمرجع محمد باقر الصدر عن السبب الذي يجعله لا يرد على مؤسّس حزب التحرير الإسلامي، تقي الدين النبهاني، في كتابه عن الخلافة، فرد بأنه يستطيع ذلك، لكن ردّه يفرّق الأمة ووحدة الأمة أهم من ذلك، كما رفض إعادة طبع كتابه “فدك في التاريخ” للسبب ذاته.

يهاجم نوري المالكي بني أمية، لأنهم مستبدّون، وانتزعوا الحكم من الإمام علي وآل البيت. وهذا صحيح، وظلمهم لم يقتصر على آل البيت، بل الأمة كافة. وهم حكموا الأمة بالسيف والغلبة، لكن الأمة لم تكن قد انقسمت طائفيا كما في أيامنا هذه، غير أن المالكي الذي مارس استبدادا أسوأ لا يقارن بهم، ففرسان بني أمية هم من فتحوا قارّات العالم، خاض عقبة بن نافع غمار الأطلسي بفرسه وفتح أفريقيا، وقاد محمد ابن القاسم الثقفي ابن عم الحجّاج الجيوش، وهو ابن 17 عاما، ووصل إلى الهند، ووصل قتيبة بن مسلم الباهلي إلى الصين، ووضع الحجاج النقاط على الحرف العربي، أما المالكي فنشر الأمية في العراق، وهرب في أول مواجهة مع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

في الإسلام والتاريخ يجتمع الكرد والعرب، تماما كما تجمع العروبة مسيحيي العراق بمسلميه

ولو عادت عقارب الساعة إلى الوراء وكان المالكي في عهد الحسين، لكان، بحسب شخصيته، أقرب إلى يزيد منه إلى الحسين، فهو مع الغالب لا مع الحقّ. وهو وقف مع الاحتلال الأميركي ولم يُطلق رصاصة عليه، وحارب من تصدّوا للاحتلال سنة وشيعة. وهو لم يصل إلى الحكم إلا بقرار السفير الأميركي في بغداد، زلماي خليل زاد، كما يعرف ذلك كل من عاصروا تلك المرحلة، وكما وثّقتها كتب ودراسات وتقارير كثيرة. لم يقاتل المالكي الأميركان، بل قاتل السنّة والشيعة الذين حمل السلاح عليهم، والذي ثبت شرعيّته وفاؤه لعهده الذي قطعه لبوش الابن، عندما التقاه بالقضاء على جيش المهدي، وهو ما فعله في “صولة الفرسان”.

ومع ذلك، كان بإمكان المالكي أن يكون زعيم حرب التحرير في العراق، ففي عهده انتصرت المقاومة العراقية التي شكّل العرب السنّة عمادها. وبدلا من أن يكون انسحاب الأميركيين عيد التحرير والجلاء كان بداية لعهد الاحتلال الإيراني الكامل للعراق، وعهد تدمير ما تبقّى من الدولة العراقية وتكريس المظالم الطائفيه التي أنتجت “داعش”. وسياسيا، كان بإمكانه أن يفتح صفحة مشرقة في تاريخ العراق، توحّد أبناءه على قاعدة التحرير والبناء. دخل إلى العراق في سنوات حكمه المظلمة تريليون دولار كانت كافية لبناء العراق من الصفر، وتعويض المتضرّرين، وتحقيق التنمية الشاملة، وبناء علاقات دولية وإقليمية متوازنة. لكنه عجز حتى عن بناء جيش وجهاز أمني. وفي مواجهة مع 500 مقاتل من “داعش” في الموصل، ولّت فرق جيشه مدبرة، تاركة مسلحي “داعش” يتقدمون ليصلوا إلى تخوم بغداد، ولم يهزمهم غير تجديد التحالف بين الأميركان وإيران. تولى قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، في حينه، قاسم سليماني، قيادة الحشد على الأرض، بالتحالف مع الأكراد وعشائر سنّة، وقاد الأميركان أكبر تحالف دولي في السماء. كان هروب المالكي من “داعش” كفيلا بإنهاء مسيرته السياسية، لكنه وجد فرصة للعودة، مستخدما متفجّرات الدين والتاريخ والأيديولوجيا والقومية وفوقها شبكة واسعة من المصالح المافيوية التي بناها بكلفة تريليون دولار.

لم يكن المالكي وما يمثله لينجح، لولا تماهي مشروعه التفجيري مع إيران التي تعيد تفكيك المنطقة وإعادة تركيبها

في عاشوراء، يوحّد الدين الناس، بالتضامن مع المظلوم في مواجهة الظلم والاستبداد، سواء كان ظلم بني أمية أو ظلم صدّام أو ظلم الاحتلال الأميركي ومن تحالف معه من حكومات عراقية. والتاريخ يوحّد العراقيين، فبنو أميّة هم صنّاع تاريخ مجيد نشر العروبة والإسلام والحضارة في ربوع العالم، تماما كبني العبّاس بناة بغداد دار السلام. وهذا لا يعني أن بناة الحضارة كانوا منزّهين عن الاستبداد. وفي الإسلام والتاريخ يجتمع الكرد والعرب، تماما كما تجمع العروبة مسيحيي العراق بمسلميه. هذه قواسم مشتركة تجمع ولا تفرّق، لو فكّر المالكي بمنطق رجل الدولة.

ولم يكن المالكي وما يمثله لينجح، لولا تماهي مشروعه التفجيري مع إيران التي تعيد تفكيك المنطقة وإعادة تركيبها، بدلا من توحيدها في مواجهة الاحتلالات والتدخّلات الخارجية. وهي تستطيع أن تحوّل المتفجّرات إلى لبنات لبناء علاقة مع الأمة لا “الطائفة”، فالأمة وقفت مع الخميني قائدا تصدّى لاستبداد الشاه والنفوذ الأميركي والصهوني، ولم تتعامل معه مرجعا مذهبيا ولا زعيما طائفيا. لم يجد الشاه بلدا عربيا وإسلاميا يقف معه. وفي المقابل، وقفت الأمة، بسنتها وشيعتها، مع الثورة الإسلامية في إيران.

من المفترض أن توحّد ذكرى عاشوراء إيران مع العرب، فالحسين ثائر عربي من بني هاشم وليس فارسيا، وجدّه نبيٌّ عربي، وأبوه وآل البيت كذلك. والسنّة ليسوا طارئين على العراق ولا إيران، وظلّوا تاريخيا أكثرية إيران قبل الصفويين، وهم ليسوا أعداء الحسين، وأوّل من وثق رواية المقتل فقيه حنفي. وفي كل صلاة يصلون على آل البيت. ولم يكن قتلة الحسين يعتبرون أنفسهم سنةً، ولا شهداء كربلاء يعتبرون أنفسهم شيعة. كان خلافا سياسيا على الحكم، والتحكيم الذي خاض فيه المالكي بغير علم تسوية سياسية، وليس قضية دينية، ولو رفعت المصاحف على أسنّة الرماح.

التحكيم تاريخ بعيد، ومن الممكن دراسته بعين المؤرّخ النزيه، لكن التحكيم المسكوت عنه في التاريخ القريب أكثر أهمية عندما اختار زلماي نوري المالكي رئيسا، وخلعت وزارة الدفاع الأميركية أحمد الشلبي و”السي آي إيه” إياد علّاوي.


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...