ذ محمــــــد واحي مهتم

لست من النقاد المتخصصين في عالم السينما ولا أتوفر على الخبرة الضرورية في ذلك، لا على المستوفى التقني ولا على المستوى الفني بحيث كان الحافز الأساسي عندي لدخول هذه المغامرة الصعبة هو رغبتي في إغناء الحوار حول مجال قل فيه النقاد لا بالسلب ولا بالإيجاب بما سيسمح بخلق نقاش مجتمعي نزكي به الرسالة التي أراد مخرج الفلم إيصالها للمجتمع المغرب. ولا أخفي سرا أنها كانت من الحالات النادرة التي ألج فيها قاعة سينما لمشاهدة فلم مغربي بحيث كان لحضوري انطلاق فلم أحلام صغيرة للمخرج محمد الكغاط وقع خاص في نفسي انقلبت فيها على اختياراتي التي كانت تتمنع عن مشاهدة الأفلام المغربية من منطلق ربما يعيشه أغلبية المشاهدين للأفلام العالمية في تصغير لقيمة الأداء المحلي أمام ما وصلت إليه السينما العالمية من قدرة كبيرة على السفر بالمشاهد وإمتاعه باستعمال وسائل مذهلة. وخلال مشاهدتي لفلم أحلام صغيرة وبنفس الحالة النفسية للمنتقد لأصل الأشياء قبل مشاهدتها بحثت عبر الأنترنيت عن عنوان الفلم فوجدت أن العنوان قد سبق وأن استعمل في فلم مصري لتأخذت مني المخاوف مأخذها في أن يتعلق الأمر بنفس القصة خاصة وأنني عارف بالنتائج الواقعية والقانونية لذلك وقد أظهر لي البحث أن الأمر يتعلق بفيلم دراما وحرب، قصة وسيناريو وحوار وإخراج خالد الحجر في تجربة الأولى لفيلم درامي طويل عام 1993 الفيلم من بطولة ميرفت أمين، صلاح السعدني، رجاء حسين، سيف عبد الرحمن، تامر أشرف، ماهر سليم، و حسن العدل وتدور أحداثه حول الصبي غريب الذي نشأ وحيداً ذلك خلال فترة العدوان الثلاثي على مصر في خمسينيات القرن العشرين. و بعد موت الأب سيضطر غريب وأمه أن يشتغلا، ليبدأ غريب دخول عالم الكفاح الوطني والمقاومة الشعبية
انتعش في نفسي إشباع ذات المنتقد وفي نفس الوقت تخوف بأن يتعلق الأمر بنفس القصة وحتى وإن كان الأمر مختلفا ففي لغتنا ما يفي بالغرض بالنظر لموضوع الفلم وأعتبر ذلك من أول مآخذي التقنية التي كان من المفروض الانتباه إليها وتفادي حصولها ببحث بسيط نجد به عنوانا مناسبا قد يغني عن معاناة قد تتطور في ظروف مختلفة
عندما عمقت البحث بالإشارة إلى كون الفلم مغربي أضفت له إسم رشيد الوالي وجدت بأنه يتعلق ببحث جوانب معاناة الأشخاص ذووا الإعاقة الجسدية، إذ يسلط الضوء على العراقيل التي تواجههم في المجتمع وتحول دون تمكنهم من استكمال دراستهم بحيث جاء في وسائل الاعلام المتاحة أن الفلم تضمن مجموعة من الرسائل الإنسانية التي ينقلها في قالب اجتماعي يبرز شجاعة وقوة ذوي الإعاقة الجسدية في التغلب على العراقيل التي تصادفهم في مساراتهم الحياتية والمهنية (منقول) وأن الفلم من بطولة مجموعة من الممثلين، من أبرزهم رشيد الوالي وكمال حيمود وحسن فولان وهشام الوالي و رجوى والصديق مكوار ومحمد كافي وصلاح ديزان وأحمد ولاد وغيرهم من الممثلين (منقول من إعلانات الفلم)
كما جاء في قصاصات أخرى بأن هذا العمل السينمائي يجسد فيه رشيد الوالي في دور محامي طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة، يرغب في استكمال دراسته لكنه يمنع من التسجيل بإحدى المدارس بعد بلوغه سن 18، وهي القصة التي يسلط الضوء عليها في الشريط لإبراز معاناة الأشخاص المنتمين لهذه الفئة. (منقول من إعلانات الفلم)
قبل دخولي القاعة كان لي شرف أن يكون أول المستقبلين لي في بهو سينما (ميكا راما) بالدار البيضاء مخرج الفلم الشاب الجليل البشوش محمد الكغاط الذي لم تكن لي سابقة معرفة به بحيث عاد الفضل في ذلك لصديقي الفنان المقتدر أمير علي الذي رتب الحصول على الدعوة بالصورة المشرفة وتقديمي لمجموعة من الفنانين المغاربة وعلى رأسهم الفنان الجليل رشيد الوالي الذي استسمح بأدب مستجوبيه والراغبين في أخذ صور تذكارية معه ليقدم لنا تحية رجل متشبث بقيم التواضع والأخلاق والقيم النبيلة وعند معرفته بكوني من هيئة الدفاع طلب مني تقييم مرافعته التي ستخلل الفلم
أكتب مقدمتي هذه وأنا لا زلت تحت مؤثرات مشاهد الفلم وأحاول أن أكون صادقا في وصف ما كنت وما أصبحت عليه بعد إبداعاته لأترجم ما نعانيه جميعا من تمنع عن قبول منتوجنا على جميع المستويات عسى أن أستطيع إبراز رسائل بليغة أداها ممثلون مغاربة رتبها مخرج لا أظنه قد وعي بقمة تلقائية إخراجه من خلال مشاهد ومواضع ذات راهنيه كبيرة، وقد صرح خلال تقديمه للمثلين قبل العرض بكون تجربة الدراما كموضوع هي تجربة جديدة بالنسبة له ابتدأت منذ سنة 2017 ولم يرد لها أن تعرف النور إلا سنة 2023 لظروف كان من الصعب التغلب عليها
قدم مخرج الفلم محمد الكغاط كل من شاركه في إخراج منتوجه هذا بنفس روح التواضع الذي استحال معه عليه تذكر جميع الأسماء ليضطر في الأخير لمطالبة كل من شارك معه للصعود للمنصة وهو ظرف كان من الممكن استغلاله بطرق تقنية لإبراز مواهب لاحظنا حضورها ببهو القاعة قبل أن نكتشف أنها مواهب قدمت أداء متميزا جدا في هذا الفلم، وجوه غير معروفة تستحق أن تعلوا منصات التشريف
تواضع لا أرى له اليوم مكانا في عالم السينما ، ولي في ذلك رأي صريح ومنطقي باعتبار أن تقديم أي منتوج فني أصبح اليوم تخصصا كان من الواجب معه اللجوء لاحترافية شركات متخصصة يشمل دفتر تحملاتها تقديم الفلم والمخرج من خلال مجموعات وسائل التواصل الاجتماعي بشهور تسبق البث الأول من أجل خلق التشويق الازم للأداء الفني لتستمر مسؤولياتها إلى وضع الفنانين في مقامهم الصحيح على مستوى ظهورهم أمام الجمهور خلال تقديم الفلم وقبل ذلك نشر صورهم خاصة وأن لهذا المنتوج خصوصية جميلة هي تغير ملامح الممثلين فيه بعد مرور خمس سنوات على أدائهم لأدوارهم فيه وهي من التفاصيل التي كان من الممكن استغلالها للترويج له من خلال الوسائل المشار إليها التي أصبحت علمية و مدروسة أثبتت أن لها مردوديتها المادية والمعنوية
دخلت في تقنيات ربما هي وسائل نجاح في عالم (شو بزنيس) قد نكون مستوعبين لقيمتها وقد نتذرع بارتفاع كلفتها إلا أنها برهنت على إمكانيات خطيرة استفادت منها أرذل المحتويات وعلى جميع المستويات أمام ما قد تقوم به من خلال ما أتى به فلم أحلام صغيرة من نبل الرسالة الذي كان من الضروري أن توفر له جميع الوسائل المادية لإيصال محتواه لكل مسؤول ولكل مواطن مغربي لتخز كل الأحاسيس التي وقع دفنها نتيجة ثقافات دخيلة على مجتمع هو في أصله مجتمع متضامن و محب للخير لا يحتاج إلا لاستفاقة لن ينتجها إلا مثل هذا الاشتغال المستميت في إخراج فلم بمثل هذا العمق والعطاء وهو ما سندخل معه للأداء الفني
استهل الفلم بتصوير خارجي لإبراز الشخصية الأساسية فيه، وهو المحامي الذي لم يستطع التمتع بلحظة نزهة مع أسرته نتيجة غم سببه استغلال مبالغ مالية لموكليه توصل على إثره بإعلام لتسوية وضعيته بخصوصه و قد صرفها في صنع وضعه الاجتماعي دون علم زوجته التي لاحظت ذلك ليضطر إلى إخبارها ، وأظن أن الغرض من المشهد، هو إبراز ما سيقوم به المحامي من تحدي رغم الضغط الذي مورس عليه للتخلي عن مواقف نبيلة استمات من أجلها رغم مأخذي على طريقة كتابة الاعذار الذي توصل به والذي تعمد المخرج أن يقرأه الممثل من خلال سيناريو الفلم وهو بذلك قد وجه رسالة لم ينتبه لأهميتها تخص حصانة مهنة الدفاع واستقلاليتها لضمان عطاء حر ونزيه للرسالة النبيلة التي لا يجب بالمرة أن تكون ضحية الحاجة أو الضغط . رسائل مشفرة ستكون مؤثرة ولو نسبيا في المقبلين على ممارسة هذه المهنة النبيلة وتنبيههم لما قد يتعرضوا له من مضايقات ستفسد عليهم عطائهم ومؤهلاتهم واستقلاليتهم مهما كانت استفادتهم وهو معطى ينسحب لكل المهن والكفاءات التي يجب أن تخدم المجتمع بصدق وتفاني
كان ممثل دور الشاب المعاق رائعا في إبراز نوع خاص من الإعاقة يصعب تمثيله ولو لبضع دقائق وقد نجح في ذلك بامتياز كبير أوصل للجميع شعورا بالألم تحسه معه وتعيشه معه وتتألم له وتبكي معه وقد بكيت خلال أداءه وأبكي الآن وأنا أكتب ما أعتبره نقدا وليس في ذلك من عيب وقد استطاع أن يصل إلى أن يؤثر في أقصى مشاعري وقناعاتي من خلال أداءه الرائع المرتبط بآلام مجتمعية نتيجة عدم مبالات من طرف إدارة فجة لا اهتمام لها بمن خلقه الله ودون إرادة منه معاقا والحمد لله أن وجد في حياته من ضحوا لمساعدته حتى يعيش فقط دون أن يستطيع الدراسة في مؤسسة تعليمية يطل عليها من شرفته منذ صغره نتيجة مجتمع غير مبال له انطلاقا من قرارات ومواقع جافة ألف أصحابها تدبير الأمور فقط دون إمكانية تدخل منهم لخلق أجواء ملائمة لذوي الاحتياجات الخاصة بل يجتهدون في فن تثبيط أي مطلب جديد يخرج عن العادة ليحلوا محل شيطان التخلف في إبداع طرق التصدي والاجتهاد فيه بالوصول لما قد يضعف دفاعه في حالة الاستمرار في مطالبه الذي كلفه به الطفل المعاق
نسيت أنني أشاهد فلما وقد عشت القصة مع الفنان رشيد الوالي وهو متقمص لشخصية محامي تغلبت عليه ظروفه المادية للحظة وحاول استغلال عقار الطفل المعاق الموصى له به للتحلل من مديونياته ليتراجع بشكل مفاجأ لم يتم إبراز أسبابه في الفلم وهي مرحلة مهمة كان من الممكن أن تبرز دواعي التراجع وأسبابه لإظهار خطورة استغلال مال اليتيم والمحتاج وتصوير مشهد تأنيب الضمير أو تدخل زوجة المحامي أو غيرها للرجوع بالمشاهد إلى حسن السلوك أمام مثل هذه الحالات. تراجع عن غي كان سيقع فيه المحامي أبرزه المحامي رغم ما واجهه من تهديد حول تسوية وضعه الذي أصبح مكتشفا بمرافعة أمام المحكمة كان السؤال الجوهري فيها أن وجه لموكله المعاق لوما دراميا مضحكا نجح فيها المخرج والممثلين في مزج الألم والحنق بالضحك بأن سائله لماذا خلقت هكذا وليقوم ممثل الدور الكبير الشاب كمال حيمود بردة فعل جميلة جدا لم تكن متوقعة سترونها في الفلم
نسيت أنني أنتقد فلما دراميا وانغمست في مجريات مؤثرة فيه لدرجة الاعجاب وأرجع معكم لرسالة تقنية من واجبي الحديث عنها و لن أفوت فرصة مناقشتها خاصة وأن الأمر يتعلق بالتقاضي الذي كان من الضروري أن يبين فيه المخرج نوعه وطرق ممارسته ونوعية القضاء الذي يجب أن توجه له مثل هذه الطلبات لأن الأمر يتعلق بشأن مجتمعي يجب الترافع من أجله بالوسائل الصحيحة الممكنة خاصة وأن معاناة ذووا الاحتياجات الخاصة من مسؤوليات المجتمع ككل ولذينا في مجتمعنا المغربي العدد الكافي من المدافعين عنهم من جمعيات ومؤسسات لا تتوفر لها المعرفة الكافية بضوابط التقاضي بشأنه وقد أكد لي الفنان رشيد الوالي أنه استشار شخصا مختصين في الموضوع ربما لم يقرؤوا السيناريو في كل مشتملاته حتى يستطيعوا توجيه المهتم لطرق التقاضي الصحيحة ، وقد تطرقت لهذا الجانب التقني نظرا لما استطاع أن يوصلني إليه مخرج الفلم من ضرورة التدخل من أجل فئة من المجتمع لها مكانتها ولها قدرتها على العطاء إذا ما هيأ لها الإطار الذي ستسمح باستقبال قدراتها حسب احتياجاتها ولنا في جسم الدفاع على المستوى الوطني كفاءات تستطيع تبني حالات تعيش التهميش والمرافعة من أجلها باعتبارها مسؤولية موزعة بين كل كيانات الدولة ستحس بهذه المسؤولية بمجرد مشاهدة الفلم وقد قررت شخصا أن أتعاطى مع هذه الوضعيات بكل ما أتيت من قوة فشكرا لك فضيلة المخرج الشاب محمد الكغاط والفنان الكبير رشيد الوالي و الشاب كمال حيمود الذي ابكى القاعة بمن فيها و الشكر موصول أيضا لكل الممثلات والممثلين حسن فولان وهشام الوالي و رجوى والصديق مكوار ومحمد كافي وصلاح ديزان وأحمد ولاد وغيرهم ممن أدوا أدوارا درامية رائعة لأعتبرها مجموعة أظهرت بأنها تستطيع فعلا التطرق لمظاهر معاناة مجتمعية أخرى تبلغ بها رسالة الفنان المحترف الأصيل ……. شاهدوا الفلم





