ذ.غسان الاستانبولي
كاتب وباحث سياسي سوري
كلّ التقارير والمؤشرات تشير إلى أن المواجهة العسكرية المباشرة بين الجيش السوري، وقواه الرديفة من جهة، وبين الجيش الأميركي، ومرتزقته، من جهة أخرى، أصبحت حالة لا بدّ منها، بل أنها أصبحت أقرب منها في أيّ وقت مضى، وذلك في ظلّ حالة استعصاء الحلول لمجمل قضايا العالم، وبما أن القضية السورية هي قضية مؤثرة، ومُتأثرة، لاسيّما وأن الجغرافيا السورية في الوقت الحالي، هي المكان الأنسب للتنازع الدولي المُسلح، وخاصّة للتنازع الأميركي الروسي، والأميركي الإيراني، وذلك في ظلّ ما تمرّ به سوريا منذ سنوات، ويبقى احتمال عدم وقوع هذه المواجهة احتمالاً قائما،ً وإن كان بنسبة قليلة جداً.
وما يدفعنا إلى رفع نسبة حدوث هذه المواجهة هي المؤشرات الكثيرة، والواضحة، ولو حاولنا الإضاءة عليها، فسنجد أن الأميركي قام منذ فترة بنقل سلاح متطور إلى شرق الفرات، بما فيه السلاح المضاد للطيران، كما كثّف من عملياته الاستطلاعية، بما فيها نصب المناطيد الجوية بقصد التجسس وجمع المعلومات، كذلك أجرى منذ أيام قليلة مناورات عسكرية ضمن مثلث الحدود السورية الأردنية العراقية، وذلك بمشاركة فصيل عسكري موالٍ له “جيش سوريا الحرة”، كما قام بتجهيز أعداد كبيرة من ميليشا “قوات سوريا الديمقراطية”، المعروفة بميليشيا “قسد”، ومن مرتزقة آخرين ينحدرون من عشائر عربية، وتمّ حشدهم في منطقة شرقي الفرات، وهم بكامل سلاحهم، وذخيرتهم، ومعداتهم، بما فيها الجسور اللازمة لعبورهم إلى غرب نهر الفرات، وبطبيعة الحال فكلّ تلك التحضيرات تأتي بذريعة رفع أعلام “داعش” خلال مظاهرة جرت في مدينة دير الزور.
وتكتمل هذه المؤشرات، إذا أضفنا لها شيئاً آخر، وهو الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الأردني إلى دمشق منذ أيام، والتي تمّ تصنيفها من قبل الكثيرين على أنّها زيارة غير بريئة، هذا إذا هذّبنا المصطلح قليلا،ً وكان ذلك واضحاً من خلال الأسلوب غير الدبلوماسي للوزير الأردني، خلال المؤتمر الصحفي المشترك مع وزير الخارجية السوري.
تلك المؤشرات تقودنا إلى ترجيح النيّة الأميركية للقيام بعملية عسكرية، تهدف إلى ربط المثلث السوري العراقي الأردني ( التنف)، الذي يسيطر عليه “جيش سوريا الحرة”، بالمناطق الشمالية التي تسيطر عليها “قسد”، ولو تمت هذه العملية ونجحت فهذا يعني قطع الحدود السورية العراقية بشكل كامل، وأيضاً إذا نجحت، فستكون المرحلة الثانية هي وصل هذه المنطقة مع الجنوب السوري، وصولاً إلى مدينة القنيطرة، وبطبيعة الحال فهذه رغبة إسرائيلية أردنية مُشتركة، ولذلك ستشارك كلّ منهما بهذه العملية، سواء كانت هذه المشاركة مُباشرة، ومكشوفة، أو كانت بشكل غير مباشر، ومُغطاة بغطاء ما يُسمى التحالف الدولي.
وفي المقلب الآخر، فور انتهاء المناورات الأميركية، قام الجيش السوري بمناورات مُشتركة مع القوات الروسية المتواجدة في سوريا، حيث شملت سلاح الجو، والدفاع الجوي، ووسائط الحرب الإلكترونية، كذلك قام بدفع أعداد كبيرة من قواته إلى الشرق، وإلى الشمال الشرقي من سوريا، إضافة إلى تحضيرات أخرى مازالت تأخذ الطابع السري وغير المعلن.
طبعاً، لا يغيب عن الذهن الأميركي أن هذه العملية إن حدثت فقد تتدحّرج إلى أماكن يصعب السيطرة عليها، مثل اشتباك جوي بين الطيران الروسي والطيران الأميركي، لا سيّما وأن الطرفين أكثرا مؤخراً من الإتهامات لبعضهما، بانتهاك اتفاقية “منع التصادم” المعمول بها عليها منذ عام 2015 لذلك قد تكون هذه الإتهامات هي مُقدمة لتحميل كلّ طرف للطرف الآخر، مسؤولية أيّ تصادم جويّ مُحتمل، وقد تكون هي وسيلة روسية لمنع تلك العملية، أو وسيلة أميركية لمنع الطيران الحربي الروسي من المشاركة فيها.
بكلّ الأحوال، فالأميركي حتى الآن يلعب مع الروسي بطريقة مكشوفة، تتجلى بدفع أدواته إلى الصفوف الأمامية، حيث يقوم بدعمها، وقيادتها من الخلف، كما يحصل في أوكرانيا، ولكن هذه الطريقة لن تنجح في سوريا، لأن الأميركي سيكون مُضطرّاً للمشاركة المباشرة في القتال، جوياً على الأقل، وإلا فإنه سيكون مُجبراً على التوصل لاتفاق مع الروسي، لتحييد سلاحه الجوي، مقابل تحييد سلاح الجو الروسي عن هذه العملية، أمّا خياره الأخير، فسيكون ترك أدواته تحت رحمة النيران السورية، وهذا الخيار يُرجحه دخول فصائل عراقية أو غير عراقية، لمساندة الجيش السوري، لأن هذه العملية تهمّ العراق، كما تهمّ دولاً أخرى، مثل لبنان، وإيران، باعتبار أن هدفها الأول هو قطع كلّ طرق التواصل البرية، بين كلّ من إيران، والعراق، وسوريا، ولبنان، وحتى تركيا قد تتدخّل في هذه العملية ولو بشكل غير مكشوف، كأن تُسهّل وصول الجيش السوري إلى مناطق تحتلها ميليشيا “قسد” في الشمال، أو أن تُكثّف من عمليات الطيران المُسيّر ضدّ أهداف للميليشيا المذكورة، وإن وجدت بأنّ الكلّ مشغول عنها، وأن بإمكان جيشها التوغل ضمن مناطق تسيطر عليها ‘قسد”، فلن تتردّد بذلك.
لا شكّ أن الأمور مفتوحة على كلّ الاحتمالات، ويبقى احتمال المواجهة هو الاحتمال الأكبر، والذي لا بدّ منه وإن تأجّل هذه المرّة، فلن يلبث إلا أن يعود ثانية، لأنّ الأميركي لن ينسحب من سوريا ما لم تتعرّض قواته لخسائر يصعب على إدارته تحمّلها، وبالتالي تبريرها، وبمقارنة بسيطة، ومن خلال التجارب الأميركية السابقة، وأيضاً من خلال دراسة نقاط القوّة والضعف لدى الفريقين، نجد أن نسبة الغلبة تميل بشكل واضح لصالح الجيش السوري ومن معه، ويبقى كلّ شيء مرهوناً بكيفية تطور المواجهة، وبما أعدّه كلّ فريق لها.





