ديار إبراهيم السنكَسري
يقال: عندما بلغ الحزن من نبي الله يعقوب (عليه السلام) مبلغه، وذهب بصرُهُ وتقوَّس ظهره، سأله أحد إخوته في الله: ما الذي أذهب بصرك؟ وما الذي قوس ظهرك؟ فأجاب نبي الله: أما الذي أذهب بصري، فالبكاء على يوسف. وأما الذي قوس ظهري، فالحزن على ابني بنيامين.
فأتاه جبريل (عليه السلام) وقال له: يا يعقوب، إن الله يُقرِئُك السلام، ويقول لك: أما تستحيي تشكوني إلى غيري؟ فقال يعقوب (عليه السلام): إنما أشكو بثي وحزني إلى الله!
{إِنَّمَآ أَشۡكُواْ بَثِّي وَحُزۡنِيٓ إِلَى ٱللَّهِ…} اعتراف بالضعف الإنساني في قوة الاعتماد على الله وحده واللجوء له لا غير. لا يخلو المرء من الأحزان والمآسي والبثوث، لكن الانهيار والبقاء في صمود يختلف باختلاف الملجإ عند الخطوب، فإن اعتمد الإنسان على غيره من الناس وشكى حاله لهم فإنه خطى أول خطوة نحو الانهيار وأمسى على شفا جرف هار! وإن توكَّلَ على المولى (عز وجل) وأسند ظهره إلى أمره وحكمته فإنه لجأ إلى عظيم وتوكل على قدير، فتربت يداه، وهو على وشك الخروج من صعوبة ما حل به.
“الشكوى لغير الله مذلة”، عبارة مجربة يعترف بها الزمان، ويقر بها ذوو التجارب في الحياة، إن من يشكو حاله لغير الله فقد أهان نفسه، لأنه إما يفضفض لمن سينكي به في وقت ما، وإما لمن سيتعاطف معه؛ ولكن ستتغير نظرته إليه بعد ذلك ويرى فيه الضعف والهوان، ولن يساعد المرءَ أحدٌ إلا ما قل وندر.
لذلك أنكر الله عز وجل هذا التصرف على نبيه يعقوب عليه السلام (إن صحت الرواية)، لأنه لا يقبل أن يهان نبيه، ولا يرضى أن يحس بملجإ عند غيره، لأنه محض وَهمٍ يصنعه الإنسان لنفسه، ثم يندم عليه.
في هذه الآونة الأخيرة أُطلق سراح لاعب كرة القدم الفرنسي من الأصول الإفريقية (بينجامين ميندي) بعد سجنه عامين بتهمة اغتصاب عدة فتيات، وبعد تبرئته وظهور أن الحكم لم يكن إلا ظلما وزورا قال له القاضي بكل عين وقحة: “نحن آسفون!”، كأنهم داسوا على حذائه، أو نكزه أحدهم بكوعه، أو أوقعوا كوب القهوة على قميصه، دون الاكتراث للعامَين اللتين خسر فيهما وقتا ومالا وراحة نفسية وبدنية، وكُسرت سمعته طيلة تلك الفترة.
وبعد أن خرج من المحكمة ذهب المراسلون تلقاءه وسألوا تصريحه، فلم يزد على أن قال: “الحمدلله”!
إن المؤمن ذا العزة والكبرياء، والمُحِسَّ لكرامته المطروحة أرضا، والشاعر لحقوقه التي ديست بالأقدام لا يشكو أمره لغير الله ولا يعبر عن ضعفه إلا عنده، كيف يشكو لمن اسهتزأ به وسخر منه ولفق له التهم وهو محبوس ظلما في السجون؟! إنه لا يرضى إلا بعرض شخصية المسلم القوي، وكذلك هم المسلمون.
ينقلون عن محمد علي كلاي أنه قال: “عش كل ضعفك أمام الله، ثم اخرج لهم بكامل قوتك”، من جرب ذلك يستشعره حقا. إن الذي يعترف بفقره وضعفه وذله أمام الله تعالى في خلوته، لا يهاب أحدا ولا يضعفه شيء، وهو يمشي في الناس منطبعَا عليه مقولة “يا جبل ما يهزك ريح!”، لأنه يستمد قوته ممن بيده ملكوت كل شيء، وهو يجير ولا يجار عليه…
انظروا إلى نبي الله يعقوب (عليه السلام) مرة أخرى من خلال القرآن الكريم (وإن افترضنا أن الرواية السابقة صحيحة)، عندما لم يرجع أبنائه بابنه بنيامين من مصر، زاد حزنه وتجدد بثه ليوسف فقال: {…يَٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ…}, وعندما رأوا أن {…ٱبۡيَضَّتۡ عَيۡنَاهُ مِنَ ٱلۡحُزۡنِ فَهُوَ كَظِيمٞ}، أرادوا أن يقنعوه ألا يحزن فقالوا: {تَٱللَّهِ تَفۡتَؤُاْ تَذۡكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوۡ تَكُونَ مِنَ ٱلۡهَٰلِكِينَ}، فتولى عنهم وعلم أنهم ليسوا بمصرخيه، ولا جدوى من تفريغ القلب عندهم، لذلك اعتزلهم ولجأ إلى العظيم الذي لا يخيب من أوى إليه وقال: {إِنَّمَآ أَشۡكُواْ بَثِّي وَحُزۡنِيٓ إِلَى ٱللَّهِ وَأَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ}، وفي النتيجة رأى ما رأى!
إن المؤمن لا يقبل أن يلجأ لغير الله ولا أن يستغيث من غيره، لذلك فإنه يرى من العواقب السليمة ويُرزَق فوق ما يتوقع ويتمناه، لأن الذي كان الله معه فمن عليه؟





