إلى متى ستصمد أوروبا في دعمها حروب أمريكا «الباردة» حاليا؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

ذ.لطفي العبيدي
كاتب تونسي

 

 

 

تطبيق مشروع مارشال على الدول الأوروبية، كان بمثابة عهد رفاه اقتصادي وتسيّد عالمي بالنسبة لأمريكا، التي يبدو أنها تحاول من خلال مشروع الاستنزاف في أوكرانيا هذه المرة، أن تستغل إلى أبعد مدى مخاوف الأوروبيين من الدب الروسي الغاضب من سياسة تمدد الناتو ناحية الشرق. وبالتالي ضخ الأسلحة لهذه الدول، ورفع نسبة المبيعات التي تتجاوز أوكرانيا إلى ألمانيا وبولندا وفرنسا وغيرها من دول حلف الأطلسي، التي لوحظ تزايد حجم إنفاقها على ميزانيات الدفاع وشراء الأسلحة الأمريكية.
يبدو غريبا أن يتمادى قادة أوروبا في تبعيتهم لأمريكا في وقت يتعرضون فيه لخسائر فادحة، جراء الحرب الروسية الأوكرانية، لا لشيء سوى أن أمريكا تريد استمرار هذه الحرب لتحقيق مصالح وقتية وأخرى بعيدة. وعوض العمل على تسويات سياسية لإعادة ترتيب مناخ مضطرب ومتأزم، يحدث على الجغرافيا الأوروبية كما كان الحال زمن الحربين العالميتين، يشدد الغرب وواشنطن تحديدا، على فكرة عدم استخدام السلاح الأطلسي داخل العمق الروسي، بالتوازي مع تقديم الأسلحة الاستراتيجية لأوكرانيا، وتأكيد دول الناتو على حق الأوكرانيين في المواجهة، وتصريح الروس بأنّ أسلحة الناتو التي تقدم لكييف سوف تحترق على الأراضي الأوكرانية.

في المحصلة، ليس ذلك سوى إصرار على تغييب الحلول السياسية والدبلوماسية لصالح خيار الحرب والاستنزاف والمكابرة. التدمير المتبادل المؤكد كان واحدا من تلك المفاهيم المروعة التي انبثقت عن نهج نظرية اللعبة في التعامل مع الاستراتيجية النووية في الستينيات، خلال التنافس العالمي بين أمريكا والاتحاد السوفييتي. والذي يوصف الآن بالحرب الباردة الأولى. وفي المراحل الأولى للحرب الباردة الثانية بين واشنطن وبكين، يوجد مفهوم مماثل يؤكد أن هذا الصراع يحمل أيضا بعدا نوويا، كما هو الحال مع موسكو، بعد أن قامت الصين بتوسيع ترسانتها النووية بشكل كبير. بالنتيجة، الدمار المالي المؤكد المتبادل هو الذي يقيد القوى العظمى اليوم، وهو ما يميز أيضا الحرب الباردة الثانية عن الحرب الباردة الأولى بشكل واضح، حسب المؤرخ الأسكتلندي نيال فيرغسون. كلا الجانبين يعاني من نقاط ضعف اقتصادية تعمل على تقويض الدوافع الرامية إلى الحد من الاعتماد المتبادل، ومن الصعوبة في ظل هذه الظروف تخيل كيف قد تكون المواجهة الجيوسياسية بين الولايات المتحدة والصين، قابلة للاستمرار من الناحية المالية، بصرف النظر تماما عن الصعوبات العسكرية والبحرية. وعن موقف الدول الأوروبية من هذا الصراع في حال تطوّر. استراتيجية «الديمقراطيّة أولا» استراتيجية خطابيّة بالأساس. والعالم ليس رقعة شطرنج، وتقسيمه إلى «ديمقراطيّات خيّرة» وأنظمة سلطويّة «شريرة» يضيّق مساحة الاشتباك والتعاون مع كثير من الدول غير الحليفة حاليا مع الولايات المتّحدة. فصانعو القرار الذين ينظرون إلى الأوتوقراطيّات، باعتبارها خصوما حتميين أقلّ احتمالا بحمل مصالحهم على محمل الجدّ، وقد يخطئون حتى في قراءة نواياهم بتأكيد دانييل بيسنر. حصل هذا الأمر في خمسينيّات وستينيّات القرن الماضي مرارا وتكرارا، وهو يحصل مجددا في إطار حروب أمريكا الباردة الجديدة التي تطلب فيها من أوروبا اصطفافا غير مشروط، ولو على حساب مصالح دول الاتحاد الاستراتيجية. وحين يلقي المرء نظرة فاحصة ومتأنّية على السياسة الخارجية الأمريكية بعد عام 1945، يتضح جليا أنّ الولايات المتحدة تسبّبت في خلق قدر كبير من المعاناة، كان لنهجٍ أكثر تأنيا وحفظا للنّفس أن يتجنّبها. بعض هذه الإخفاقات التي قادتها الولايات المتحدة شائنة، فالحروب في كوريا وفيتنام والعراق وأفغانستان، أسفرت عن موت وتشريد واستئصال الملايين من البشر. وعلاوة على ذلك، هناك الكثير من الأمثلة غير الرائجة عن مساعدة الولايات المتحدة لتنصيب قادتها المفضّلين في بلدان الخارج، فقد فرضت أثناء الحرب الباردة تغييرات في النّظام الحاكم في إيران وغواتيمالا وجمهوريّة الكونغو الديمقراطيّة وغيانا البريطانيّة وجنوب فيتنام وبوليفيا والبرازيل وبنما وإندونيسيا وسوريا وتشيلي. في الأثناء، الصدامات الكبرى التي لديها القابلية، لأن تنتج معارك دبابات لم تشاهد منذ الحرب العالمية الثانية، مثل أوكرانيا، لا تحدث عرضا، بل إن هناك سببا وهناك أثرا مثلما استنتج أمثال دافيد هيرست. والسبب هنا هو ما اتخذ حينذاك من قرار أحادي، ولكنه غير مثير للجدل، بتوسيع حلف شمال الأطلسي شرقا في تسعينيات القرن الماضي، والتخلي بذلك عن نموذج أوروبا شرقية حرة منزوعة السلاح إلى حد كبير. وهو النموذج الذي تمت مناقشته مع الرئيس ميخائيل غورباتشوف قبل ذلك بعقد من الزمن. حصل ذلك من أجل إعطاء معنى جديدا للناتو، ذلك التحالف العسكري الذي مات عندما مات غريمه. كان الحديث حينها عن كلام فارغ يتعلق بترسيخ الناتو للديمقراطية في أوروبا الشرقية، من خلال ضمان استقلالها عن موسكو، ولكن المزاج العام حينذاك، كان مزاج النشوة بالنصر. فلم يقتصر الأمر على كون الرأسمالية النظام الوحيد المتبقي، بل كانت «ماركتها النيوليبرالية» هي الماركة الوحيدة التي تستحق الترويج. أما الآن فقد انقسمت أوكرانيا إلى الأبد، وتعيش في رعب من احتمال اندلاع حرب أهلية قد لا تتعافى منها أبدا. لن تستعيد أوكرانيا وحدتها المفقودة، ويعود الفضل في ذلك إلى بروكسل بقدر ما يعود إلى التنمر في موسكو.

فرضت الحرب في أوكرانيا إيقاعها على طبيعة علاقات بكين مع روسيا من ناحية والدول الغربية من ناحية أخرى. أما الهند العضو البارز في البريكس، التي احتضنت قمة مجموعة العشرين، فقد بقيت محايدة نوعا ما في الصراع الروسي الأوكراني. الصين منزعجة من أطماع جارتها، وتتخوف من تحالفات الهند مع منافسيها التقليديين الولايات المتحدة واليابان وأستراليا، قضية كشمير والعلاقة القوية بين الصين وباكستان، هي من بين الأسباب الأخرى التي توتر العلاقة بين نيودلهي وبكين. في الأثناء، أشادت روسيا بالإعلان التوافقي الذي أحجم عن انتقادها بشكل مباشر، بسبب الحرب في أوكرانيا، بعد أن تمكنت من إحباط المحاولات الغربية لجعل أوكرانيا تهيمن على جدول أعمال قمة مجموعة العشرين، التي أقيمت في الهند. وجاء وصفها على لسان وزير خارجيتها سيرغي لافروف بالناجحة للهند، وكذلك للدول النامية الواقعة في جنوب العالم. ويبقى من المهم موافقة مجموعة العشرين على انضمام الاتحاد الافريقي لها، لذي يضم 55 دولة، عضوا دائما ممثلا عن دول جنوب العالم في المجموعة. رسالة وحدة في لحظة انقسام مستمر، حاولت الهند من خلالها التأكيد على أنه، سواء كان الأمر يتعلق بالانقسام بين الشمال والجنوب، أو التباعد بين الشرق والغرب، أو إدارة الغذاء والوقود، أو الإرهاب، أو الأمن السيبراني، أو الصحة، أو أمن الطاقة، أو أمن المياه ومشاكل المناخ، يجب على الجميع إيجاد حل قوي لهذه المشكلات، من أجل الأجيال القادمة.

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...