من «طوفان الأقصى» باتجاه «وعد الآخرة»: أسئلة شائكة واحتمالات خطيرة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

ذ.عصام نعمان
كاتب لبناني

 

 

 

فاجأ الفلسطينيون أنفسهم، كما العرب والعالم بما يشبه المعجزة، باشروا هجوماً اقتحامياً يوم السبت الماضي، تجاوزوا به خط الدفاع الإسرائيلي الحصين الذي يلف قطاع غزة ، فوق الأرض وتحتها، من الشمال إلى الجنوب. الهجوم استهدف 50 موقعاً شرقيّ القطاع، سيطر خلاله مقاتلو حركة «حماس» تؤازرها سائر فصائل المقاومة على 7 مستوطنات، ومقر قيادة الجيش الإسرائيلي في جنوب فلسطين المحتلة، أطلقت «حماس» على الهجوم الصاعق اسم «طوفان الأقصى»، وقالت إنه بداية المسار إلى «وعد الآخرة» الذي هو تحرير كامل فلسطين من النهر إلى البحر. دوافع الهجوم عدّة ، لكن أبرزها ثلاثة: حماية الأقصى، وتحرير الفلسطينيين الأسرى، ووقف تهويد الضفة الغربية.
الهجوم الصاعق شكّل صدمة للعدو الصهيوني، كما أدت نجاحاته السريعة إلى ذهولٍ بين الفلسطينيين كما بين العرب، ففي أقل من خمس ساعات استطاعت المقاومة السيطرة على غلاف قطاع غزة، بما يحتويه من مواقع ومستوطنات وتحصينات، وتدمير الكثير من أسلحة العدو ومدرعاته وتشكيلاته العسكرية. خسائر العدو البشرية باهظة: مئات القتلى، وألوف من الجرحى والمفقودين، وهذه الأرقام غير نهائية لأن المعارك ما زالت محتدمة، وتعداد مصابي العدو مستمر. ثمة أمور لافتة جداً يقتضي الإشارة إليها والتفكير في تداعياتها:

امتنع العدو نحو خمس ساعات قبل أن يباشر الردّ على المقاومة بغارة جوية على موقع في غرب غزة.
دُعي «الكابينت»، أي المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغّر، إلى الاجتماع الساعة الواحدة بعد الظهر، أي بعد نحو ست ساعات من بدء الهجوم.
تأخر إصدار بيان، أو تسريب معلومات عن الاجتماع لساعات عدّة، الأمر الذي يدلّ إلى وجود ارتباك وتخبط شديدين.
انقطاع التواصل بين قطعات الجيش الإسرائيلي في جنوب فلسطين المحتلة وقيادته العليا في شمالها، بعدما سيطرت المقاومة، أقلّه بالنار، على قوس جغرافي يمتد من شمال قطاع غزة إلى الشرق بما لا يبعد كثيراً عن المركز النووي في ديمونا.
تأخر صدور بيان أمريكي بدعم الكيان الصهيوني، ما حمل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على الاتصال شخصياً بالرئيس جو بايدن لاستعجاله إصدار بيان.

في ضوء هذا الواقعات والتطورات، ثمة أسئلة شائكة تُطرح واحتمالات خطيرة تستوجب التفكير.. الأسئلة ثلاثة:
أولها، هل تلجأ قيادة «إسرائيل» السياسية والعسكرية إلى شن هجوم بري مدعوم جوياً لمحاولة استرداد المواقع في غلاف قطاع غزة، التي سيطرت عليها المقاومة؟ أم تُحجم عن ذلك مخافةَ إلحاق أذى بآلاف المستوطنين الذين باتوا أسرى لدى المقاومة؟
ثانيها، هل يبقى هجوم المقاومة محصوراً بجنوب فلسطين المحتلة؟ أم يتمدد إلى الضفة الغربية التي باشر مقاوموها، أفراداً وجماعات، بالقيام بعمليات قتالية ضد مواقع العدو ووحداته العسكرية، وهي عمليات مرشحة للاحتدام والتوسع.
ثالثها، هل جرى هجوم «طوفان الأقصى» في إطار تخطيط وتفاهم بين أطراف محور المقاومة؟ وهل لهذه الأطراف أدوار محددة في الصراع الساخن، كيف ومتى؟ الاحتمالات متعددة وخطيرة، ومن الصعب تحديد احتمالات واضحة في هذه الآونة، فالحرب المفتوحة بين المقاومة الفلسطينية (وربما مع غيرها من المقاومات العربية) والعدو الصهيوني، ما زالت في بدايتها، ولا يمكن التكهن سلفاً بتطوراتها، أو بموعد انتهائها، ومع ذلك يمكن، من خلال استقراء حاضرها، استشراف مستقبلها وما قد ينطوي عليه من احتمالات:
ثمة احتمال أن تطول الحرب، إذا ما قرر العدو استرداد مواقعه في غلاف قطاع غزة، التي ما زالت في قبضة المقاومة، ذلك أن المقاومة ستقاتل للاحتفاظ بالسيطرة على كلها أو بعضها لهدفين: تثبيت تحريرها من الاحتلال، والاحتفاظ بمستوطنيها الأسرى كورقة رابحة في حال إجراء مفاوضات لاحقة.
ثمة احتمال أن يتعثر العدو في الاحتفاظ بسيطرته على الضفة الغربية من جهة، ومن جهة أخرى أن يفقد السيطرة على متطلبات مواجهته المقاومة على جبهتين: قطاع غزة والضفة الغربية، فيستشعر ضرورة القيام بعملية نوعية استثنائية لقلب ميزان القوى لمصلحته بشكل حاسم، كأن يقوم، بموافقة الولايات المتحدة، بضمّ الضفة الغربية رسمياً إلى كيانه لتعويض فقدانه مواقع ومستوطنات في غلاف غزة.
ثمة احتمال أن يشعر العدو بالإرهاق، فيتواطأ مع الولايات المتحدة على ترتيب مفاوضات مع المقاومة الفلسطينية لتأمين خروجه من الحرب، بأقل ما يمكن من التنازلات، ولاسيما لجهة أسرى الطرفين المتحاربين ومواقع خسرها في غلاف غزة.
هذه الاحتمالات الثلاثة ممكنة نظرياً، كما أن اعتماد أحدها فعلياً، ممكنٌ أيضاً، لكن ماذا لو استبد الجنون بالوزراء المتطرفين في الحكومة الإسرائيلية، وجاراهم نتنياهو في جنونهم، فقاموا باعتماد واحدٍ من احتمالين: إعدام الأسرى الفلسطينيين المحتجزين في سجون العدو، كما طالب بذلك وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، أو استخدام أحد اسلحة الدمار الشامل (سلاح بيولوجي أو كيماوي أو نووي تكتيكي) لضرب إيران؟
أنا وإن كنتُ أستبعد كِلا الاحتمالين، غير أن ارتفاع مستوى الجنون لدى غالبية أعضاء الحكومة الإسرائيلية، وحتى لدى بعض زعماء المعارضة، يدفعني إلى التفكير في ما يتوجب عمله لتفادي كِلا الاحتمالين الجنونيين.

في هذا السياق ، أرى أن تعلن أطراف محور المقاومة مسبقاً أن قيام العدو باعتماد «خيار» إعدام الأسرى، سيحملها على تدمير منشآت «إسرائيل» النفطية والغازية في البحر والبر، وربما تدمير بنى تحتية أخرى بالغة الأهمية أيضاً، مع العلم أن أطراف المقاومة قادرة على ذلك. أما في حال اعتماد العدو خيار استخدام سلاح بيولوجي أو كيماوي أو نووي، فإن جميع أطراف محور المقاومة ستبادر بلا إبطاء إلى شنّ حربٍ شاملة عليه بلا هوادة وبجميع الأسلحة الفتاكة، لاسيما الصاروخية منها، ما يؤدي بالتأكيد إلى تدمير كيانه كليّاً وتشريد سكانه في أربع جهات الأرض. هذا مع العلم أن العدو يدرك ذلك، بدليل أن اللواء في الاحتياط اسحق براك قال: «إذا كان نتنياهو يظن بأن في مقدوره تسوية غزة بالأرض، فيجب أن يعلم أن في مقدور ايران تسوية «إسرائيل» كلها بالأرض». ألا يبدو أن العرب المقاومين وحلفاءهم الأوفياء في صدد فتح صفحة جديدة مشرقة في تاريخهم الحديث؟

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...