ذ.غسان الاستانبولي
كاتب وباحث سياسي سوري
مع أن عملية “طوفان الأقصى” قرّبت زوال “إسرائيل” خطوة واسعة نحو الأمام، لكن هذه العملية، وما سيترتب عليها، لن تكون أكبر المشاكل التي ستواجه “إسرائيل”، باعتبارها ستكون مُجبرة على هضمها، لأن تبعات هضمها أقلّ بكثيرٍ من تبعات العناد والمُكابرة والجنون، وستُحاول إخفاء آثار هذه الصفعة من خلال تدمير قطاع غزّة ببنائه، ومدنييه، وستحاول أن تقنع جمهورها ومُحبيها، أنها ما زالت تستطيع الردع والإنتقام، حتى ولو كان الأطفال والنساء والبيوت هم من يدفع فاتورة ردعها وانتقامها هذين، بدليل أنها حتى الآن عجزت عن تحييد ولو قائدٍ فلسطينيٍ واحد، أو تدمير ولو مقرٍ عسكريٍ واحد، كلّ ذلك ليس مُشكلة “إسرائيل” الكبرى، لأنها ستتعايش معها خلال ما بقي لها من عمر، الذي يبدو أنه صار أقصر مما يتخيّل من أوجدها في هذه المنطقة، ولكنّ المشكلة الكبرى هي أنّ القادة الإسرائيليين ما زالوا يعيشون وهمَ القوّة، ووهمَ التفوّق، مع أن الأيام أثبتت لهم عكس ذلك، فأعداء “إسرائيل” ومنذ عقود يزدادون قوّةً وتفوقاً، بينما يزداد ضعفها، وتنكشف قوّتها بأنها مجرّد قوّة إعلامية، والدلائل كثيرة، فمن خسارتها في حرب تشرين عام 1973، إلى خروجها صاغرةً من لبنان عام 2000، ثم خسارتيها المُذلّتين في حرب تموز 2006، وفي عملية “سيف القدس” عام 2021، وصولاً إلى عملية “طوفان الأقصى”، والقادم أعظم.
الكلّ يعرف أن إخفاق أجهزة الاستخبارات التي طالما تبجّحت بها “إسرائيل”، يتقدم ليكون هو العامل الأول لمذلّتها، باعتبار أن العامل المخابراتي هو الخطّ المُتقدم في الدفاع عن أيّ دولة، أو أيّ كيان، من خلال كشف ما يتحضّر لهذه الدولة أو الكيان، ولكن يبدو أن أجهزة الأمن الإسرائيلية كانت، وما تزال، مشغولةً بنسخ ولصق معلومات عفا عليها الزمن، عن شحنات أسلحة إيرانية تصل إلى سورية ولبنان، والزعم بأنها تحدّد طرق سير هذه الشحنات، مع أنّ الجميع يعرف أن هذه الطرق مازالت خفيّة وعصيّة، بدليل كمية ونوعية الأسلحة التي يمتلكها الحزب في لبنان، وتتوالى بعد العامل الاستخباراتي عوامل عدّة، إن كان على مستوى التدريب القتالي المُتواضع للجنود، أو التأهيل النفسي والمعنوي المعدوم للجنود والمستوطنين والقادة أيضا،ً ولذلك رأينا الجنود يهربون، والمستوطنين يملأون ساحات مطار بن غوريون، وأمّا القادة فلم يستيقظوا من هول الصفعة حتى الآن.
ولو راقبنا أداء الأطراف المعنيين بالوضع في فلسطين المُحتلة، استطعنا أن نُقسّم هذه الأطراف إلى عدّة فُرقاء.
الفريق الأول، هو فريق الفصائل الفلسطينية وحلفائها من إيران حتى لبنان، مروراً باليمن، والعراق، وسورية، وقد بدا واضحاً أن هذا الفريق كان مُلمّاً بكلّ ما يحدث، ومُنسّقاً، ومُستعدّاً لأيّ تطور، والكلّ ترك قرار توسيع الجبهات لقادة الفصائل الفلسطينية، أما حالة النشاط العسكري المحدود على الجبهتين اللبنانية والسورية، فينطوي على ثلاثة أهداف، أولها هو التذكير الدائم بجهوزية بقيّة أطراف المحور، وثانيها هو الإشغال والضغط النفسي والعصبي المُتواصل على القادة والجنود الإسرائيليين، أما الهدف الثالث والأهم، فهو لمنع “إسرائيل” من سحب بعض وحداتها العسكرية من الجبهتين إلى جبهة غزّة، أو جبهة الضفة الغربية، ولاسيّما أن الجيش الإسرائيلي بدأ يتحضّر لعملية بريّة ستحتاج الكثير من الجنود، وهذه عقدة كبيرة في ظلّ رفض آلاف الجنود الذهاب إلى الحرب، وامتناع عشرات الآلاف من الإلتحاق بالخدمة الإحتياطية.
أما الفريق الثاني، فهو الأدوات الأميركية، مثل مصر، والأردن، وتركيا، ودول الخليج، وهذه الأدوات كانت دائماً تسرع لتقديم ما يُسعف “إسرائيل” من خلال العمل على التهدئة، ولكلّ منهم دوره، إن كان سياسياً، أو ماليا،ً أمّا في هذه العملية فإن دورهم مُعطّلٌ بقرار الفصائل.
والفريق الثالث، يتمثل بالدول الكبرى، فالأميركي الذي هاله الوضع الكارثي لربيبته “إسرائيل”، أسرع لتقديم الدعم، سواء بالطيارين، أو بالمُستشارين، أو بالسلاح، أو بالتهديد والوعيد لبقية أطراف المحور، والروسي الذي بدا سعيداً لهذا الإرباك الأميركي، كون هذه القضية ستتجاوز قضية أوكرانيا، وتأخذ مُعظم الاهتمام والدعم الأميركيين، ويبدو أن الروسي كغيره فوجئ بهذه العملية، لذلك لم يستطع ترتيب أوراقه السياسية إلا بعد مرور عدّة أيام، حين سمعنا الرئيس الروسي، والمندوب الروسي في مجلس الأمن، يتكلمان عن الحقّ الفلسطيني، وعن الممارسات الإسرائيلية غير المقبولة ضدّ الفلسطينيين.
بكلّ الأحوال، يبدو أن الحرب ما زالت في بداياتها، ويبدو أن أطراف المحور قد أعدّوا أنفسهم لحربٍ طويلة، وأعدّوا لها الكثير من المفاجآت، ولكلّ مفاجأة جبهة، ولكلّ جبهةٍ وقت، ولكلّ وقتٍ خطّة، ولكلّ خطّةٍ رجالها.





