من أزمة سبتة إلى كابلات مضيق جبل طارق.. 29 كيلومترا من الأسلاك تحت الماء تتحول في الإعلام الإسباني إلى “سلاح” ضد المغرب.. هل تملك مدريد فعلا مفتاح الضغط على الاقتصاد المغربي؟

إيطاليا تلغراف متابعة

أعادت أزمة سبتة ملف العلاقات المغربية الإسبانية إلى واجهة النقاش السياسي والإعلامي في إسبانيا، لكن هذه المرة من بوابة الطاقة، بعدما بدأت أصوات سياسية تنظر إلى شبكة الربط الكهربائي بين البلدين باعتبارها ورقة يمكن لمدريد استخدامها للضغط على الرباط، في سياق خطاب يتعامل مع التعاون المغربي الإسباني بمنطق “الضغط”، ويحمّل ملفات الهجرة والحدود والخلافات السياسية أكثر مما تحتمل من منظور التعاون المتبادل والمصالح المشتركة.

وفي هذا السياق، نشرت صحيفة “إلموندو” الإسبانية، تقريرا تحت عنوان مثير يتساءل عما إذا كانت الكابلات الكهربائية الممتدة لمسافة 29 كيلومترا تحت مضيق جبل طارق قادرة على “إطفاء اقتصاد المغرب”، مقدمة هذه البنية التحتية باعتبارها نقطة ضعف يمكن لإسبانيا، من الناحية النظرية، استخدامها ضمن ما وصفته باستراتيجية للردع في مواجهة الرباط.

وتكمن أهمية الربط الكهربائي بين البلدين في كونه يتجاوز مجرد بيع وشراء الطاقة، فالكابلان البحريان، اللذان دخل الأول الخدمة سنة 1997 والثاني سنة 2006، تبلغ قدرتهما الحرارية الإجمالية نحو 1400 ميغاواط، ويسمحان بتبادل الكهرباء بين الشبكتين المغربية والإسبانية، كما يساهمان في ربط النظام الكهربائي المغربي بالمنظومة الأوروبية.

وبحسب المعطيات التي يستند إليها التقرير الإسباني، يمكن للربط أن يؤدي دورا مهما في استقرار الشبكة المغربية، من خلال توفير الكهرباء عند الحاجة والمساعدة في مواجهة التقلبات المفاجئة في الطلب أو الإنتاج، وهو ما يجعله أكثر أهمية من مجرد حجم الطاقة التي يعبرها في اتجاه المغرب.

وتشير المعطيات الواردة في التقرير إلى أن الصادرات الصافية للكهرباء من إسبانيا إلى المغرب بلغت خلال سنة 2025 نحو 3743 غيغاواط ساعة، وهو أعلى مستوى منذ عام 2017، مع توجه الجزء الأكبر من قدرة الربط نحو الجنوب.

ومن هنا تنطلق فكرة “الاعتماد غير المتكافئ” التي يركز عليها التقرير الإسباني، ومفادها أن الربط الكهربائي يحمل قيمة استراتيجية أكبر بالنسبة للمغرب، بينما تستطيع إسبانيا، من الناحية النظرية، الاستمرار في تشغيل نظامها الكهربائي دون الاعتماد على الوصلة المغربية بالدرجة نفسها.

وتكتسب هذه المقاربة أهمية أكبر في ظل تنامي حضور الخطاب اليميني المتشدد في النقاش الإسباني حول المغرب والهجرة، حيث تحاول بعض الأصوات تحويل كل أزمة حدودية أو موجة هجرة إلى مناسبة للمطالبة بتشديد الموقف تجاه الرباط، وربط التعاون الاقتصادي والأمني بملفات سياسية وأمنية متداخلة.

وفي هذا الإطار، يبدو أن أزمة سبتة وفرت أرضية مناسبة لإعادة طرح مثل هذه الأفكار، إذ لم يعد النقاش مقتصرا على تعزيز المراقبة الحدودية أو التعاون في مجال الهجرة، بل امتد إلى البحث عن “أوراق ضغط” إضافية، من بينها الطاقة والتجارة والاستثمارات والعلاقات الاقتصادية.

ويقر التقرير نفسه بأن قطع الكهرباء عن المغرب بصورة مفاجئة سيكون خطوة تصعيدية ذات كلفة كبيرة على إسبانيا أيضا وقد تضر بصورة مدريد كشريك طاقي موثوق، كما يمكن أن تترك انعكاسات على الشركات الإسبانية العاملة في المغرب وعلى مسار التعاون الأوروبي في مجال الربط الكهربائي مع شمال إفريقيا.

وهذه النقطة بالذات تكشف حدود فكرة استخدام الكهرباء كسلاح، فالعلاقات الاقتصادية بين المغرب وإسبانيا لا تقوم على استفادة طرف واحد فقط، وإنما ترتبط بشبكة واسعة من المصالح التجارية والاستثمارية والطاقية والأمنية، تجعل أي قرار أحادي الجانب ذا تداعيات متبادلة.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...