ذ.غسان الاستانبولي
من الأهمية بمكانٍ لمن يسير إلى الحرب أن يُبقي عينه على خطواته، ولكنّ الأهمّ أن يُبقي عينه الأخرى على خطوات عدوه، ولكن “إسرائيل” يبدو أنها ومنذ أن صَنّعتها دول الاستعمار الغربي، تذهب إلى حروبها بعينٍ واحدة، ونحن كعربٍ أخذتنا الهالة الإعلامية، بل شاركنا بتضخيم تلك الهالة، ولذلك لم نكتشف العَوَر الإسرائيلي حتى عام 1973، كون “إسرائيل” لم ترَ تحضيرات حرب تشرين، ولذلك كانت مفاجأتها كبيرة، رغم أن ملك الأردن السابق حسين بن طلال طار على جناح البرق، ليُخبر رئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدا مائير عمّا يُحضّر، ولكنها لم تُصدقه، بل وسخرت منه، مُستندةً إلى ثقتين، أولهما، ثقة بأجهزة الكيان الأمنية، التي باعتقادها أنها تتشارك مع يهوه في جمع وتبادل المعلومات، وثانيها، بأن أيّ دولةٍ عربيةٍ هي أوهن من أن تفكر بمهاجمة هذا الكيان “المُرعب”، وتأكد اكتشافنا لحالة العَوَر هذه في تموز عام 2006، فبينما كانت ” إسرائيل” تُحضّر لعمليةٍ عسكريةٍ مباغتةٍ على “حزب الله” في لبنان، فاجأها الحزب بعملية أسر جنود لها في جنوب لبنان، ومن هنا تغيّرت خُططها، ومن هنا بدأت تخسر الحرب، نفس المشكلة حدثت لها مع الفصائل الفلسطينية في غزّة، فبينما كانت تُحضّر لتبدأ بعد عيد الغفران عمليةً عسكريةً لتفريغ قطاع غزّة من ساكنيه، فاجأتها الفصائل الفلسطينية بعمليةٍ عسكريةٍ صاعقة، كذلك تغيّرت كلّ قواعد العملية الإسرائيلية.
وهنا يأتي السؤال، لماذا قطاع غزّة الآن، رغم أنّه مُحاصرٌ منذ سنوات، ورغم أنّه لا يُشكّل من الخطر عليها إلا جزءاً بسيطاً مما يشكله “حزب الله”، فلماذا استُبعد الحزب رغم أن الأوضاع اللبنانية الداخلية مواتية لشن حربٍ عليه، ولماذ استُبعدت سورية، التي تتبنّى كلّ المقاومات وتدعمها، كذلك الأوضاع مواتية، وهي المشغولة بحرب العالم عليها منذ أكثر من عقد.
إذاً، بات واضحاً أن الولايات المتحدة و”إسرائيل” تعملان على إزالة مُشكلة القطاع والضفة من طريق مصالحها، لأنّ التخلص منهما، سيكون بوابة الفوز بالسيطرة الكاملة على المنطقة، وذلك من خلال:
1ـ تصفية القضية الفلسطينية وذلك بتهجير سكّان قطاع غزّة إلى سيناء، لتكون هي الوطن البديل، على أن تكون الأردن هي المكان القادم لسكان الضفة الغربية، أمّا الفلسطينيين الذين يعيشون داخل الكيان، ويُطلق عليهم لقب عرب ال 48، فسيلتحقون بمن سبقهم إلى الوطن البديل، وذلك بعد التفرّغ الإسرائيلي لهم.
2ـ السير بشكلٍ أكثر سرعةٍ باتفاقيات التطبيع، بين “إسرائيل” وبعض الدول العربية، أو ما يُعرّفوه باتفاقيات “إبراهام”، والتي مشت بها كلٌّ من الإمارات والبحرين، ولكن الأميركي كان يُحاول جاهداً جذب السعودية لهذه الاتفاقيات، باعتبارها ستكون بيضة قبّان التطبيع، وسيكون مُبرّر السعودي هو أن القضية الفلسطينية قد انتهت، فلماذا لا نأخذ “إسرائيل” بالأحضان وبشكلٍ علني.
3ـ إزالة العقبة الفلسطينية، من طريق المشروع الذي طرحه الرئيس الأميركي جو بايدن، في مؤتمر العشرين منذ أسابيع، والهادف إلى تنفيذ ممرٍ تجاري، يصل الهند بالشرق الأوسط مروراً بأوروبا وفلسطين، كذلك لضان سلامة الملاحة مستقبلاً عبر قناة “بن غوريون” المراد إنشاءها، والتي تربط بين البحرين الأحمر والمتوسط، لتصبح منافسةً لقناة السويس.
4ـ تنفيذ القانون الذي أقرّه الكنيست الإسرائيلي عام 2018، المعروف بقانون “يهودية الدولة”، والذي ينصّ على أنّ، “إسرائيل هي الوطن التاريخي للشعب اليهودي، وأن حقّ تقرير المصير فيها يخصّ الشعب اليهودي فقط”.
ولو استعرضنا البنود الأربعة، سنجد أن الحرب الحاليّة هي حربٌ مُتعدّدة المستويات، ففي المستوى الأول، هي حربٌ يُدافع من خلالها الفلسطينيون عن وجودهم، تُساندهم أطراف “محور المقا’ومة”، وتأتي هذه المساندة لسببين، أولها، أنّ هذه الأطراف تعتبر أنّ القضية الفلسطينية هي قضيتها أيضاً، وثانيها، هو أنّ دور أيّ طرفٍ من أطراف المحور سياتي لاحقا،ً إذا انتصرت “إسرائيل”، على مبدأ “أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض”، وفي المستوى الثاني، هي حربٌ، ولو أنها ناعمة، بين الإسرائيليين، وكلٍّ من مصر والأردن، وذلك لمنع التهجير إليهما، لأنّ خطوةً كهذه، ستؤدي حُكماً إلى انفحارٍ داخليٍ بهما، وكلتا الدولتين تعتبران أنّهما تعرضتا لخيانة أميركية بهذا المجال، أمّا في المستوى الثالث، فهي حربٌ عالميّة تخوضها الولايات المتحدة والدول الغربية من طرف، وكلٍّ من روسيا والصين من طرف آخر، ولكلٍّ مصالحه في المنطقة، ولذلك نرى الحشود العسكرية للطرفين في مياه البحر المتوسط.
أخيراً، قد يكون مقتل التحضير للعملية التي كانت “إسرائيل” بصدد تنفيذها، قبل مفاجأتها بطوفان الأقصى، هو وجود رجلين مأزومين على رأسي السلطتين، في كلٍّ من واشنطن و”تل أبيب”، فبايدن الذي خسر الكثير من شعبيته بسبب سوء إدارته، وخاصّة في حرب أوكرانيا، هو بحاجةٍ ماسّةٍ لنصرٍ يُعيد بعض هذه الشعبية، وذلك قبيل الانتخابات الرئاسية القادمة، ونتنياهو المسكون بفوبيا السجن، هو بحاجةٍ إلى إشغال العالم بأيّ شيء، ومهما تكن الخسائر، مُقابل ابتعاده، ولو قليلاً، عن أبواب السجن، على مبدأ، ” أنا ومن بعدي الطوفان”، فهل تتحمّل “إسرائيل” نتائج هذا الطوفان الجنوبي، لا سيّما وأنّ غيومها تُنبئ بطوفانٍ آخر من الشمال.





