من سيدي بوزيد إلى بنقردان.. الاحتجاجات تعود إلى الشارع التونسي بعد 16 عاما من “الثورة” لتضع حصيلة خمس سنوات من حكم سْعَيّد أمام اختبار الغضب الشعبي
تجددت الاحتجاجات في مدينة بنقردان، جنوب شرقي تونس، لليلة الثالثة على التوالي، في مشهد لايمكن اختزاله في مجرد رد فعل غاضب على فاجعة غرق مركب للمهاجرين قبالة سواحل جرجيس، بعدما تحولت المأساة الإنسانية إلى مرآة عكست واقعا اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا أكثر تعقيدا، وأعادت إلى الواجهة أسئلة قديمة ارتبطت بثورة دجنبر من سنة 2010 والتي أطاحت بالرئيس السابق زين العابدين بنعلي في 14 يناير 2011.
المشهد في بنقردان، لا يبدو مجرد احتجاج عابر على غرق 15شابا ولا مجرد غضب من طريقة تعاطي السلطات التونسية مع المحتجين، بل يحمل في خلفيته تراكمات اقتصادية واجتماعية وسياسية أعمق، تتقاطع مع أزمة الثقة التي تعيشها تونس منذ سنوات، وأيضا مع التحولات التي أعادت تشكيل النظام السياسي في البلد المغاربي منذ وصول الرئيس قيس سعيد إلى سدة الحكم ثم إعلانه إجراءات 25 يوليوز 2021، وما تبعها من إعادة هندسة للنظام المؤسساتي، وتراجع دور البرلمان والأحزاب، واتساع صلاحيات الرئاسة، إلى جانب تصاعد الجدل حول الحريات وملاحقة المعارضين والنشطاء والصحفيين.
وإذا كانت ثورة تونس قد انطلقت أصلا من الأطراف، من سيدي بوزيد، احتجاجا على التهميش والبطالة والكرامة المهدورة، فإن احتجاجات بنقردان اليوم تعيد، بصورة مختلفة، إنتاج بعض الأسئلة نفسها في منطقة حدودية ظل اقتصادها مرتبطا بشدة بحركة التجارة مع ليبيا، وظلت رهينة لتحولات المعبر الحدودي برأس جدير، ولضعف الاستثمار وغياب المشاريع القادرة على استيعاب طموحات شبابها.
ولهذا لم يكن غريبا أن يربط عدد من السياسيين والنشطاء بين فاجعة البحر والأزمة التنموية في المدينة، فقد اعتبر النائب علي زغدود عن بنقردان أن المأساة تفرض طرح السؤال حول الأسباب التي تدفع شبابها إلى المخاطرة بحياتهم، بينما يفترض أن تكون مدينتهم، بحكم موقعها وإمكاناتها، واحدة من أهم بوابات التنمية والاقتصاد في تونس.
أما الأمين العام لحزب التيار الديمقراطي التونسي هشام العجبوني، فربط المأساة بالبطالة والاقتصاد الجهوي المنهك وغلق معبر رأس جدير وغياب الأفق الحقيقي أمام الشباب، معتبرا أن الضحايا ليسوا مجرد “حراقة”، بل ضحايا خيارات وسياسات اقتصادية واجتماعية عمقت التفاوت وأضعفت الأمل في نفوس الشباب التونسي .
وفي قراءة أكثر اتساعا، تبدو بنقردان اليوم وكأنها تعيد طرح الأسئلة التي فجرت الثورة التونسية قبل نحو 16 عاما، وإن كان السياق مختلفا، ففي دجنبر من ستة 2010، أشعل الشاب محمد البوعزيزي النار في جسده بمدينة سيدي بوزيد احتجاجا على مصادرة مصدر رزقه وما اعتبره إهانة وتحقيرا قبل أن تتحول حادثته إلى شرارة احتجاجات أطاحت بنظام زين العابدين بن علي في 14 يناير 2011، وأطلقت موجة من الانتفاضات العربية التي عرفت لاحقا باسم “الربيع العربي”.
ثورة تونس في إبانه لم تكن في جوهرها مجرد انتفاضة ضد شخص أو نظام، بل كانت انفجارا اجتماعيا وسياسيا ضد البطالة والتهميش والفساد وغياب العدالة الاجتماعية وتقييد الحريات، حيث كان شعار “الحرية والكرامة” يلخص جوهر مطالب جيل كامل شعر بأن نظام بنعلي لا يمنحه المكانة التي يستحقها ولا المستقبل الذي يبحث عنه.
هذا الواقع الاجتماعي لا يمكن فصله عن التحولات السياسية العميقة التي عرفتها تونس خلال السنوات الأخيرة، خصوصا منذ 25 يوليوز 2021، عندما أعلن الرئيس قيس سعيد تجميد عمل البرلمان وإقالة رئيس الحكومة، في خطوة قال مؤيدوه إنها كانت ضرورية لإنقاذ الدولة من الشلل السياسي، بينما اعتبرها خصومه بداية مسار أعاد تركيز السلطة في يد مؤسسة الرئاسة.
ومنذ ذلك التاريخ، شهدت تونس إعادة صياغة واسعة للنظام السياسي والمؤسساتي، فقد تم اعتماد دستور جديد في 2022 منح رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة، وتغير النظام الانتخابي، وتراجع الدور السياسي للأحزاب، وأعيد تشكيل موقع البرلمان داخل منظومة الحكم، حيث تصاعدت الانتقادات الحقوقية والسياسية بشأن الحريات العامة وملاحقة عدد من المعارضين والنشطاء والصحفيين، وسط اتهامات للسلطة بتضييق المجال العام والعودة إلى ممارسات تتعارض مع الروح التي قامت عليها ثورة 2011.
وبينما يقدم أنصار قيس سعيد هذه التحولات باعتبارها “مسارا تصحيحيا” أنهى سنوات من الصراع الحزبي والشلل المؤسساتي، يرى معارضوه أنها أدت إلى تفكيك النموذج السياسي الذي تأسس بعد الثورة التونسية وتركيز السلطات بشكل أكبر في يد الرئاسة، في وقت دخلت فيه تونس في دوامة من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة، تجلت في الضغوط على المالية العمومية، وتراجع الاستثمار، وأزمات التزود بالطاقة وما رافقها من انقطاعات متكررة للكهرباء، إلى جانب تنامي حاجة البلاد إلى المساعدات والدعم الخارجي لتجاوز اختلالاتها المالية والاقتصادية.
المصدر: الصحيفة





